مواقف وليد جنبلاط بين حلم العروبة والواقع

– علي الأمين:
في كل مرحلة من مراحل التاريخ، يظهر رجالٌ يحملون على عاتقهم هموم شعوبهم، ودروبهم ليست دائماً مفروشة بالورود. ومن هؤلاء، وليد جنبلاط، الذي لا يكاد اسمه يغيب عن الساحة السياسية في لبنان والمنطقة العربية. لكن الغريب هو ذلك الكم من الانتقادات، بل والحقد الذي يوجه له من بعض أبناء الطائفة الدرزية، على الرغم من مواقفه القومية والوطنية المشهودة، والتي لا يُمكن لأي عاقل أن ينكرها.
انحيازه للقضية الفلسطينية
وليـد جنبلاط، ابن تاريخٍ طويلٍ في السياسة، لا يمكن لأحد أن ينسى مواقفه الواضحة تجاه القضايا العربية الكبرى، على رأسها القضية الفلسطينية. فهو لم يتوانَ يوماً عن الوقوف مع فلسطين في محنتها، وحمل همّ العروبة على كتفيه. إلا أن هذا الموقف، الذي يعتبره البعض نابعاً من قناعة وطنية وقومية صادقة، أصبح موضع انتقاد من بعض الدروز الذين يرون فيه مجرد تكتيك سياسي لخدمة مصالح فئوية.
فهل كانت مواقف وليد جنبلاط غير مرضية للبعض؟ هل كانت تلك المواقف تشكل تهديداً لأجندات شخصية لبعض القادة المحليين، مما دفعهم لتوجيه الحقد نحو شخصه؟ الجواب ربما يكون مركباً بين عدم الفهم السليم لسياساته وبين المصالح الضيقة التي تروج لها بعض الأطراف التي لا تعنيها مصلحة الطائفة أو الأمة.
الدروز: بين القومية والمذهب
في لبنان، وفي بعض المناطق السورية، يختلط الانتماء المذهبي بالانتماء الوطني. فالدروز، من الناحية البيولوجية والفكرية، ليسوا “قومية” خاصة في المفهوم الذي قد يعتقده البعض، بل هم جزء من الأمة العربية، ويشكلون مكوناً أساسياً في التعدد الثقافي والديني للمنطقة. لكن هذه الحقيقة يجهلها البعض، أو ربما يتجاهلها عن قصد، إذ يصبح انتماؤهم إلى مذهبهم الديني دافعاً لفهمهم للحياة السياسية.
يُضاف إلى ذلك، أن العلاقة بين الدروز وإسرائيل ليست كما يظن البعض. فإسرائيل قد تعتبرهم من “المواطنين” من الدرجة الأدنى، ولكنها تسعى دائماً للاستفادة من بعض المنتفعين الذين قد يؤمنون مصالحها الخاصة. فهل كانت تلك العلاقة مشروعة؟ وهل من الواجب على وليد جنبلاط أن يكون جزءاً من هذه اللعبة السياسية، خصوصاً عندما يكون في مواجهة مع دول إقليمية أخرى تلعب على وتر الطائفية؟
موقف السويداء: هل هو تحرك سياسي أم أزمة هوية؟
مواقف السويداء، خصوصاً في السنوات الأخيرة، تُعتبر مؤشراً آخر على تعقيدات الوضع الدرزي. البعض يتهمها بالابتعاد عن الدولة الوطنية، والانسياق وراء أجندات أخرى قد تضر بمستقبل الطائفة والوطن ككل. لكن الحقيقة أن السويداء في تاريخها كانت دائمًا قلعة من قلاع العروبة والوطنية. فكما قال وليد جنبلاط: “الدروز عمقهم في الدولة السورية لأنها جزء من العروبة، والدروز جزء أساسي منها”. وإذا كان البعض يظن أن هذا الموقف قد يضرهم، فإن التاريخ يُثبت عكس ذلك.
أزمة سوريا: صناعة جروح لا تلتئم
الحرب السورية، وما شهدته من تدمير ودماء، كانت في جوهرها خطة إقليمية لاستهداف وحدة الشعب السوري وتفكيك مكوناته. فهل كان من الممكن أن يُستفاد من هذه الأزمة لتحقيق مآرب شخصية؟ وهل كانت الحروب التي دارت ستنتهي لو أن الجميع اهتم بمصالح الشعب السوري، بعيداً عن أجندات الخارج؟
ويبدو أن هذه الأزمة كانت بمثابة اختبار للعديد من الشخصيات السياسية، بما في ذلك وليد جنبلاط، الذي استطاع، بقدراته السياسية، أن يخرج بالطائفة الدرزية من دائرة الفتنة التي كانت تلوح في الأفق.
هل كان غضب المثقفين مبرراً؟
النقد الذي يوجهه من بعض المثقفين والسياسيين لوليد جنبلاط في الفترة الأخيرة ليس له، في أغلب الأحيان، تبرير منطقي. فما من شك أن مواقف وليد جنبلاط كانت تحظى بتأييد العديد من القوى الوطنية، لكن للأسف كان الانتقاد والتهجم من المجموعات الدرزية التي رفعت شعار الحراك في لبنان في 17 تشرين الثاني عام 2019. فعندما كانت التحديات كبيرة، كان هو من بين القلائل الذين حرصوا على عدم جر الطائفة إلى الفتنة، وواصل النضال من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية في مواجهة جميع التهديدات الداخلية والخارجية.
إلى السويداء وسوريا الجديدة
إن السويداء، في جوهرها، تظل جزءًا من التاريخ العربي والوطني المشرف. وإذا كان هناك من يحاول أن يلبسها “قميص الوسخ” أو يخلط الأمور، فإن الحقيقة تظل أن التاريخ الدرزي هو تاريخ مشرف وحافل بالعروبة والوطنية. ونحن اليوم، بحاجة إلى سوريا جديدة تتعافى من جراحها، وتواجه التحديات التي تحيط بها من مختلف الجهات. ومن المؤسف أن يكون البعض، من داخليها وخارجيها، يسعى للعبث بمستقبلها. فتحية لسوريا وللسويداء، وللرجال الذين حملوا تاريخهم بشرف. ولنبقَ دائماً ملتزمين بالقيم الوطنية والعربية التي تجعلنا نواجه التحديات بروح من التضامن والوحدة.
بالنهاية لابد من القول بأن سوريا الجديدة، التي تسعى للخروج من دوامة الحرب والأزمات، تستحق أن تجد طريقها نحو الشفاء الكامل من جراحها. فالشعب السوري، بمكوناته المختلفة، أثبت صموده في وجه التحديات الكبرى، ورفض الانصياع للقوى التي أرادت زعزعة استقراره وتقسيم أرضه. تظل سوريا هدفاً للمستهدفين من قبل العابثين في شؤونها، سواء كانوا من الإسرائيليين أو من أصحاب الأجندات المذهبية والطائفية التي لا تسعى إلا لتفتيت وحدة البلاد. وفي الوقت ذاته، هناك من لا يزال يحاول فرض نفوذه، سواء كان من أطراف إقليمية مثل إيران أو من فلول النظام الذين يريدون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولا ننسى أولئك الذين يروجون خطط التقسيم التي تضر بمصلحة الوطن وتهدد وتفتيت نسيجه الاجتماعي. إن تعافي سوريا مجدداً بعد كل ما مرت به يزعج هؤلاء العابثين ويؤثر سلباً على مصالحهم. لكن التاريخ علمنا أن سوريا، رغم كل ما مرّت به من صعاب، ستظل عصية على الإنكسار، وستعود أقوى مما كانت عليه. وعلى كل أبناء سوريا أن يتحدوا حول هذا الهدف الكبير: سوريا واحدة، موحدة، وقوية بفضل إرادة شعبها وصمودها.