إحراج العهد

هناك حلقة مفقودة في مكان ما، بين الرئيس اللبناني، والحكومة عامّة من جهة، ومكوّن “حزب الله” من جهة أخرى، وربّما بين الحكومة والثنائيّ نفسه، اللهمّ إلا إذا كان الرئيس نبيه برّي قد خرج من عباءة الممانعة، إلى دور المتعاطف معها من جهة والمتماهي مع العهد من جهة ثانية.
وهذه الحلقة المفقودة تشكل نقطة ضعف للسلطات اللبنانية في مواجهة العالم الذي يطالبها أكثر من أي وقت مضى، بتطبيق تامّ وناجر ولا ريب فيه، للقرار الأممي 1701، المعطوف نصّاً وروحاً على القرار 1559. ومن المؤكد أن هذه الحلقة تشكل أيضاً إحراجاً للرئيس اللبناني شخصياً، أثناء مداولاته مع المبعوثين الدوليين، وكانت آخرهم المبعوثة الأميركية موغان أورتاغوس التي سمعت كلاماً ينطوي على معنيين متناقضين:
1- التزام لبنان بالقرار الأممي، وبحصرية السلاح في يد الدولة والجيش، أي الجهات الشرعية الوحيدة المنوط بها التسلح في دولة القانون والمؤسسات والسيادة الكاملة.
2- لا يمكن نزع سلاح حزب الله بالقوة، بل بحوار بين اللبنانيين… وهذا الحوار هو دوران في فراغ لأن لا أحد سيرغب في تسليم سلاحه من تلقاء نفسه، وقد يستغرق الحوار عصوراً ودهوراً من المناورات وتقطيع الوقت، وصولاً إلى تواقيع، ثم التملص منها. وهذا معناه شيء واحد: ضرب التعهدات وخطاب القسم والقرار 1701 نفسه.
ما تزال قيادات حزب الله غير مقتنعة بأنّ شيئاً حصل على الأرض، فلا تدمير غزة تدميراً كاملاً، ولا الخروج من جنوب الليطاني بخفّي حنين، ولا سقوط نظام الأسد في سوريا، ولا الضربات الهائلة التي تعرّض لها الحوثيون، ولا عودة إيران إلى المفاوضات المباشرة التي رفضتها منذ العام 1979… له أي معنى. وما نقوله ليس اختراعاً، بل هو مسجّل في أدبيّات وخطب متتالية، وتصريحات نسمعها كل يوم. فإلى متى يستطيع اللبنانيون العيش وسط دوامة تدور وتدور ولا تنتهي، وفي خضمّ أحابيل كلامية، وصيغ وهميّة وسحريّة أثبتت أنها لم تكن يوماً صحيحة، فلا الجيش قاتل مع المقاومة في الحرب الأخيرة، ولا الشعب يقف مع المقاومة في تعنّتها، إلا إذا كان نصف الشعب يعني الشعب كلّه، أو النصف الآخر لا قيمة له، ولا اعتبار لرأيه.
لم يعد النفخ في أبواق الشعبوية ينفع، والسلاح سيصدأ في الأقبية يوماً بعد يوم، لأنّ لا حرب في الجنوب بعد الآن. ولا حرب في سوريا ضد المعارضين للنظام، ولا خبراء إلى اليمن، بعدما سحبت إيران مستشاريها من هناك وتوقفت عن دعم الحوثي وجماعته. فعن أيّ وحدة ساحات نتحدّث، وعن أي حرب إسناد؟ وما هي المقومات التي نمتلكها لمواجهة الآلة العسكريّة، فيما سرب “نحشون” يصول ويجول في سماء لبنان، والضربات تتوالى دون ردّ معتبر؟
إنّ التمعن في مصطلحات “المواجهة”، حتى من قبل الذين يتماهون مع نظرة الحزب، يشي بأن لا قيمة لها بعد الآن، وقد يكون التحالف مع كيم جونغ أون هو أقرب إلى الإقناع بضرورة بقاء السلاح أكثر من أي ذريعة أخرى. ولو – لا سمح الله- نشبت أي حرب في الجنوب مرة أخرى، فإن أهل الجنوب سينتفضون قطعاً، ولن يرضوا بعد الآن بأن تتهدّم بيوتهم، ويتشردوا من ديارهم، ويلجأوا إلى الأرصفة والمدارس والحقول، من أجل حرب لا يد لهم فيها، بل كانوا ضحاياها، كما الدولة ضحية، ولا تزال، وكذلك العهد المطالب بتنفيذ وعوده، وهو الآن في موقف لا يحسد عليه، فمن جهة يريد إقناع العالم بشيء، ومن جهة ثانية يريد مراضاة الحزب ومراعاته، علماً أن اللعب على الكلام، ومصطلحات التمويه والضحك على الذقون، لم تعد تنطلي على المجتمع الدولي، والمؤمن لا يلدغ من جُحر ثلاث مرات.
ج.د.