بينما تسعى أستراليا إلى ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الدول في مجال الذكاء الاصطناعي، برزت قوانين حقوق النشر باعتبارها واحدة من أكبر العقبات التي قد تحدد مستقبل الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع. فالقانون الأسترالي المنظم لحقوق النشر يعود إلى عام 1968، أي قبل ظهور الإنترنت بسنوات طويلة، ولم يكن مصمماً للتعامل مع تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يعتمد على تحليل كميات هائلة من البيانات والمحتوى الرقمي.
الحكومة الأسترالية تستعد للإعلان عن رؤيتها الجديدة لتنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، في وقت تتنافس فيه دول العالم على جذب شركات التكنولوجيا العملاقة واستثمارات مراكز البيانات التي قد تصل قيمتها إلى عشرات المليارات من الدولارات. وتؤكد تقارير حكومية أن أستراليا تتمتع بعوامل جذب قوية، من بينها الاستقرار السياسي، وتوفر مصادر الطاقة المتجددة، وعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، ما يجعلها خياراً مفضلاً لشركات الذكاء الاصطناعي العالمية.
ومن بين الشركات المهتمة بالتوسع داخل أستراليا شركة “أنثروبيك” المطورة لنظام “Claude”، والتي أبدت اهتماماً بإنشاء مراكز بيانات خارج الولايات المتحدة لأول مرة. إلا أن هذه الخطط، إلى جانب مشاريع مشابهة لشركات أخرى، تبقى مرتبطة بوجود إطار قانوني واضح يحدد كيفية التعامل مع حقوق النشر عند تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، يرى المؤلفون والرسامون والموسيقيون والناشرون أن أعمالهم الإبداعية تُستخدم في تدريب هذه الأنظمة دون الحصول على إذن منهم أو تقديم مقابل عادل، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن حماية الملكية الفكرية وحقوق أصحاب المحتوى.
ويشير خبراء القانون إلى أن المشكلة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، لأن عملية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تمر بعدة مراحل، تشمل جمع البيانات، ونسخها، وتنظيمها، واختبار النموذج، ثم إعادة استخدام هذه المواد. وكل مرحلة من هذه المراحل قد تُعد مخالفة مستقلة لقوانين حقوق النشر وفق التشريعات الأسترالية الحالية.
كما تختلف أستراليا عن الولايات المتحدة في طريقة التعامل مع هذه القضايا. ففي القانون الأمريكي توجد مساحة أوسع لما يُعرف بـ”الاستخدام العادل”، وهو مبدأ يسمح للمحاكم بتقييم ما إذا كان استخدام المواد المحمية يندرج ضمن الاستخدام المشروع. أما في أستراليا، فإن هذا الهامش القانوني أضيق بكثير، مما يزيد من حالة الغموض التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن المحاكم الأسترالية لم تشهد حتى الآن قضية كبرى تتعلق بانتهاكات حقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن العديد من الخبراء يرجحون أن بعض الممارسات الحالية قد تكون مخالفة للقانون. إلا أن ارتفاع تكاليف التقاضي، إضافة إلى أن معظم عمليات تطوير النماذج تتم خارج أستراليا، يجعل من الصعب ملاحقة هذه الشركات قضائياً.
وفي ظل هذا الواقع، تجد الحكومة نفسها أمام تحدٍ دقيق يتمثل في تحقيق توازن بين جذب الاستثمارات التقنية الضخمة ودعم الابتكار، وبين حماية حقوق المبدعين وضمان حصولهم على مقابل عادل لاستخدام أعمالهم. ويبدو أن تحديث قوانين حقوق النشر أصبح ضرورة ملحة إذا أرادت أستراليا المنافسة بقوة في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي دون الإضرار بحقوق أصحاب المحتوى.
