في أمسية تموزيّة امتزج فيها دفء اللقاء ببرودة الشتاء الأستراليّ، احتضنت مدينة ملبورن لقاءً قوميّاً اجتماعيّاً حمل أبعاداً وجدانيّة ووطنيّة عميقة، جسّد الروحيّة التي أرساها أنطون سعاده، والقائمة على المحبة والالتزام ووحدة الصف.
وجاءت الدعوة بمبادرة من السيد ابراهيم سمعان، وبمشاركة عدد من رفقائه من بلدة عدبل، الذين عُرفوا بحسن الضيافة وصدق الانتماء، فاستقبلوا الحضور بروح أخويّة عكست أصالة القيم التي تجمع أبناء النهضة. وقد تميّزت الأمسية بحضور عدد من الأمناء والقومييّن الاجتماعييّن، إلى جانب رئيس جمعية عدبل السيد عامر دياب وشخصيّات اجتماعيّة وثقافيّة وإعلاميّة، ما أضفى على اللقاء طابعاً مميّزاً جمع بين الفكروالثقافة والعمل الاجتماعيّ.
وكان من المقرر أن يشارك في المناسبة القنصل اللبنانيّ الدكتور طنوس قبعيتي، إلا أنّ المرض حال دون حضوره، فبعث باعتذاره، مع تمنيّاته بنجاح اللقاء.
وفي كلمة ترحيبيّة صادقة، عبّر صاحب الدعوة عن اعتزازه بالحضور، مؤكداً أنّ الروحيّة التي زرعها سعاده ما زالت قادرة على جمع المؤمنين بفكره مهما تباعدت المسافات. كما قدّم اعتذاره لكلّ من لم يتمكن من دعوتهم، موضحاً أنّ المكان لم يكن يتسع لاستقبال الجميع، ولا تسمح ظروف الطقس القاسية بإقامة اللقاء في الهواء الطلق.
ولم تخلُ الأمسية من نفحات الأدب، إذ ألقى الأمين الشاعر صباح عبدالله قصيدة استحضرت معاني الثامن من تموز وما تمثّله تلك الوقفة التاريخيّة من ثبات وعزّة وإيمان بالمبدأ، فحظيت أبياتها بتفاعل كبير من الحضور الذين قاطعوها غير مرة بالتصفيق والإشادة.
أمّا اللحظة الأكثر تأثيراً، فجاءت عبر مبادرة قامت بها السيدة نجاة مارون عنداري، التي أجرت اتصالاً مباشراً مع المطران عطا الله حنا، فخاطب المجتمعين بكلمات حملت الكثير من الحكمة والوفاء، مستحضراً سيرة سعاده ومواقفه، ومؤكّداً أنّ أصحاب المبادئ الحقّة يبقون أحياء في ضمير الأمم بما يتركونه من قيم ومواقف، كما وجّه تحية إلى أبناء النهضة، مشيداً بتمسّكهم برسالتهم القوميّة والإنسانيّة.
وردّ الأمين سايد النكت بكلمة وجدانيّة وجّه فيها التحية إلى المطران عطا الله حنا، مثمناً مواقفه الوطنيّة والإنسانيّة في الدفاع عن القدس وأهل فلسطين، ومشيداً بثباته في مواجهة الاحتلال وتمسّكه بقيم الحق والعدالة.
ومع امتداد ساعات السهرة، بدا واضحاً أنّ اللقاء تجاوز كونه مناسبة اجتماعيّة، ليغدو مساحةً لاستعادة روح النهضة في زمن تتكاثر فيه أسباب التباعد والانقسام. فقد جمعت الأمسية وجوهاً من أجيال مختلفة، توحّدها القناعة بأنّ الفكر الذي يصنع الإنسان القادر على العطاء يبقى أقوى من الظروف، وأنّ الوفاء للمبادئ يتجدد كلما اجتمع المؤمنون بها على المحبة والعمل.
واختُتمت الأمسية في أجواء من الألفة والاعتزاز، بعدما تركت في نفوس الحاضرين انطباعاً بأنّ الروابط الصادقة لا تصنعها المناسبات وحدها، بل يصنعها الإيمان المشترك، وأنّ تموز، بكلّ ما يحمله من رمزيّة، يبقى محطّة يستعيد فيها أبناء النهضة معاني التضحية والكرامة، ويجددون العهد على صون الإرث الفكريّ والإنسانيّ الذي جمعهم على طريق واحد.

