تمتلك أستراليا العديد من المقومات التي تؤهلها لتصبح مركزاً مهماً لصناعة الذكاء الاصطناعي، إلا أن حجم الاستثمارات المحلية في هذا القطاع لا يزال أقل بكثير من مستويات دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، وسط جدل متزايد حول تأثير قوانين حقوق النشر على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي داخل البلاد.
ويشبّه مراقبون الوضع الحالي بما حدث مع صناعة خام الحديد قبل عقود، عندما فرضت الحكومة الأسترالية قيوداً على تصديره بسبب مخاوف من نفاد الاحتياطيات. وبعد رفع الحظر في ستينيات القرن الماضي، تحولت الصناعة إلى أحد أكبر محركات الاقتصاد الأسترالي، وأصبحت صادرات خام الحديد تدر عشرات المليارات من الدولارات سنوياً وتوفر مئات الآلاف من الوظائف بشكل مباشر وغير مباشر.
ويرى منتقدو السياسة الحالية أن أستراليا قد تكرر الخطأ نفسه مع الذكاء الاصطناعي، خاصة أنها تتمتع بموارد طاقة كبيرة ومساحات واسعة مناسبة لإنشاء مراكز البيانات، إلى جانب الاستقرار السياسي والخبرات العلمية والتقنية.
وتتركز المشكلة، بحسب هذا الرأي، في قواعد حقوق النشر الأسترالية ومدى ملاءمتها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التأسيسية. ويقول منتقدون إن عدم وجود إطار قانوني أكثر وضوحاً ومرونة يدفع بعض الشركات والمستثمرين إلى تنفيذ مشاريعهم وتطوير تقنياتهم خارج أستراليا.
وتظهر بيانات الاستثمار حجم الفجوة بوضوح. فبحسب تحليل يستند إلى أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يمثل رأس المال الاستثماري الموجه إلى شركات الذكاء الاصطناعي الأسترالية سوى نحو 0.89% من حجم الاستثمار في الشركات الأمريكية المماثلة، ونحو 12.3% من المستوى المسجل في بريطانيا.
وعند مقارنة الاستثمار بحجم الاقتصاد، تصل استثمارات شركات الذكاء الاصطناعي المحلية إلى نحو 0.095% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي، بينما تبلغ النسبة في بريطانيا قرابة أربعة أضعاف، وفي الولايات المتحدة ما يقارب سبعة أضعاف.
ويأتي ذلك في وقت تتسابق فيه الاقتصادات الكبرى لجذب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية والحوسبة المتقدمة وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
ويرى المدافعون عن إصلاح القواعد الحالية أن أستراليا بحاجة إلى إطار يحقق التوازن بين حماية حقوق المبدعين وأصحاب المحتوى من جهة، وتشجيع الابتكار والاستثمار من جهة أخرى. ومع تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية والوظائف والتنافسية العالمية، قد يصبح حسم هذا الملف أحد القرارات الاقتصادية المهمة لمستقبل البلاد.
