من CSIRAC إلى WiFi.. كيف بدأت أستراليا رحلتها في عالم الحوسبة؟

في أواخر أربعينيات القرن الماضي، كانت أجهزة الكمبيوتر الرقمية لا تزال في بداياتها، وكانت العمليات الحسابية المعقدة تستغرق ساعات أو أياماً باستخدام الآلات الميكانيكية. وفي تلك الفترة، بدأت أستراليا خطوة مبكرة ومهمة نحو العصر الرقمي، عندما شرع عدد من العلماء في بناء أول كمبيوتر قابل للبرمجة في البلاد.

بدأ المشروع عام 1947 داخل مختبر الفيزياء الإشعاعية التابع لـ CSIR، الذي أصبح لاحقاً جزءاً من CSIRO، على أيدي ثلاثة من الرواد هم تريفور بيرسي وماستون بيرد وجيف هيل. وكان هدفهم تطوير آلة إلكترونية تستطيع تنفيذ العمليات الحسابية المعقدة بسرعة غير مسبوقة في أستراليا.

وأثمرت جهودهم عن جهاز CSIR Mark I، الذي عُرف لاحقاً باسم CSIRAC. وكان أول كمبيوتر رقمي قابل للبرمجة في أستراليا، ومن أوائل أجهزة الكمبيوتر ذات البرنامج المخزن في العالم.

وبالمقاييس الحالية، كان الجهاز ضخماً للغاية، إذ شغل مساحة تقارب حجم مرآب مزدوج واحتوى على آلاف المكونات الإلكترونية. ورغم ذلك، كانت قدرته الحاسوبية أقل بكثير من أبسط الهواتف الذكية الموجودة اليوم. لكنه في ذلك الوقت استطاع إجراء العمليات الحسابية بسرعة تفوق الوسائل المتاحة في أستراليا بنحو ألف مرة.

دخل CSIRAC الخدمة بعد نجاح أول برنامج تجريبي له في نوفمبر 1949، واستخدم بعد ذلك في العديد من المشروعات العلمية. كما دخل تاريخ الموسيقى عندما استخدم في تشغيل موسيقى مولدة بواسطة الكمبيوتر في أوائل خمسينيات القرن الماضي.

وفي عام 1956، نُقل الجهاز إلى جامعة ملبورن، حيث استمر استخدامه حتى عام 1964. وخلال حياته التشغيلية التي امتدت لنحو 14 عاماً، شارك في معالجة أكثر من ألف مشروع. ويُعرض الجهاز حالياً في متحف ملبورن باعتباره واحداً من أهم الشواهد على البدايات المبكرة للحوسبة.

ولم تتوقف رؤية رواد الحوسبة الأستراليين عند بناء جهاز واحد. فقد تصور تريفور بيرسي منذ عام 1948 إمكانية الوصول إلى المعلومات عن بُعد عبر شبكات الاتصالات، قبل ظهور الإنترنت بعقود.

وخلال الستينيات، بدأت CSIRO في تطوير خدمة حوسبة وطنية تربط الباحثين في مدن أسترالية مختلفة بمركز حوسبة رئيسي في كانبرا. وفي البداية كانت البرامج تُرسل على بطاقات مثقبة بالطائرات، ثم تطورت التجربة لاحقاً إلى اتصالات إلكترونية مباشرة.

وفي عام 1969، بدأت ملامح شبكة CSIRONET في الظهور، لتصبح واحدة من أوائل شبكات الكمبيوتر واسعة النطاق في أستراليا. وخلال السبعينيات توسعت الشبكة وربطت آلاف المستخدمين والباحثين، كما دعمت لاحقاً البريد الإلكتروني وتخزين البيانات والحوسبة المتقدمة.

واستمرت مساهمات CSIRO في التكنولوجيا خلال العقود التالية، ومن أبرزها تطوير تقنيات الشبكات المحلية اللاسلكية التي أسهمت في ظهور WiFi الحديث.

واليوم، تواصل أستراليا تطوير قدراتها في الحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي والروبوتات والعلوم المعتمدة على البيانات. وهكذا تمتد الرحلة من جهاز CSIRAC الضخم في الأربعينيات إلى شبكات WiFi والذكاء الاصطناعي، لتكشف كيف ساهمت أفكار مجموعة صغيرة من العلماء في وضع أساس مهم لمستقبل أستراليا الرقمي.