لم تعد الحفلات الموسيقية في الحانات كما كانت في السابق في تسمانيا. فبين شكاوى الضوضاء وإغلاق عدد من الأماكن، يجد الفنانون أنفسهم أمام واقع أصعب بكثير مما اعتادوا عليه، واقع يهدد مستقبل الموسيقى الحية في الولاية.
تقول المغنية كيم فيليبس، التي قضت سنوات طويلة تغني مع فرق مختلفة في جنوب تسمانيا، إن الفرص لم تعد كما كانت. في الماضي، كان التواصل مع الأماكن الموسيقية أسهل، وكانت الردود أكثر، أما اليوم فالأمر مختلف تمامًا. كثير من الأماكن لا ترد أصلًا، وعدد المسارح التي تستضيف عروضًا حية أصبح محدودًا بشكل واضح.
الأمر لا يقتصر على الفنانين المخضرمين فقط، بل يزداد صعوبة على الوجوه الجديدة. ريموند بليزارد، الذي عاش أكثر من 20 عامًا في مشهد الموسيقى في هوبارت، يرى أن دخول هذا المجال أصبح تحديًا حقيقيًا للشباب. ويحذر من أن استمرار هذا التراجع قد يدفع جيلًا كاملًا من الموهوبين إلى مغادرة الولاية بحثًا عن فرص أفضل للتعبير عن أنفسهم.
جزء كبير من المشكلة يعود إلى إغلاق أماكن مهمة كانت تحتضن المواهب الصاعدة. إغلاق “يوني بار” في جامعة تسمانيا بسبب إعادة التطوير كان ضربة قوية، ثم جاء إعلان إغلاق مصنع “هوبارت بروينغ” ليزيد القلق، خاصة مع مشروع بناء ملعب ضخم في المنطقة.
ورغم وجود مسارح كبيرة مثل “ألتر بار” و”أوديون”، إلا أن هذه الأماكن لا تناسب الفنانين الصغار أو الفرق الناشئة. المشكلة ليست فقط في قلة الأماكن، بل أيضًا في التكاليف المرتفعة. تنظيم حفل موسيقي بسيط قد يكلف المكان آلاف الدولارات، وهو مبلغ يصعب تعويضه في ظل تراجع إقبال الجمهور على العروض المحلية.
لكن التحدي الأكبر ربما يتمثل في شكاوى الضوضاء. فالقوانين في تسمانيا لا تحدد رقمًا ثابتًا لمستوى الصوت، لكنها تعتمد على تقدير “مدى الإزعاج”، وهو ما يفتح الباب للكثير من الخلافات بين السكان وأصحاب الأماكن.
أحد أبرز الأمثلة هو فندق “سولتي دوج” المطل على الشاطئ، والذي أصبح محور جدل كبير. مجموعة من السكان قدمت عريضة للمجلس المحلي تطالب بمراقبة صارمة لمستوى الصوت، مؤكدين أن الموسيقى، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، تفسد هدوء منازلهم.
في المقابل، حصلت عريضة مضادة لدعم الفندق على آلاف التوقيعات، ما يعكس وجود شريحة كبيرة من الناس ترى في الموسيقى الحية جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية.
الفنانون الذين يقدمون عروضًا هناك يؤكدون أن إدارة المكان تحاول الالتزام بالقواعد، من خلال تحديد أوقات العروض ومراقبة مستوى الصوت باستمرار. كما يوضح مالك الفندق أنه لا يسعى لتحويل المكان إلى نادٍ صاخب، بل فقط لتوفير أجواء موسيقية لطيفة في فترة المساء.
في النهاية، يبدو أن القضية أكبر من مجرد ضوضاء. إنها صراع بين نمطين من الحياة: من يبحث عن الهدوء، ومن يرى في الموسيقى روحًا لا يمكن الاستغناء عنها. ومع تزايد الكثافة السكانية وبناء منازل جديدة قرب أماكن الترفيه، قد يصبح هذا الصراع أكثر حدة في المستقبل.
ربما يكون الحل في إيجاد توازن عادل، مثلما فعلت مدن أخرى، حيث يتم إلزام المطورين الجدد بعزل الصوت بدلًا من تحميل الأماكن الموسيقية وحدها المسؤولية. لأن خسارة هذه المساحات لا تعني فقط إغلاق أبواب، بل قد تعني إسكات أصوات جيل كامل من الفنانين.
