تتجه أستراليا إلى تعزيز صناعاتها الوطنية وتقليل اعتمادها على الواردات الخارجية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى استغلال قدراتها في التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الدوائية والدفاعية والزراعية، بما يفتح أمامها فرصاً جديدة للمنافسة على المستوى العالمي.
وتأتي هذه التحركات وسط مخاوف متنامية بشأن المنافسة غير العادلة من بعض المنتجات الصينية التي تدخل الأسواق الأسترالية بأسعار منخفضة نتيجة الدعم الحكومي، وهو ما يضع المصانع المحلية أمام تحديات اقتصادية كبيرة.
وفي خطوة لحماية الصناعة الوطنية، فرضت السلطات الأسترالية رسوماً لمكافحة الإغراق بلغت 51.3% على منتجات إحدى الشركات الصينية المصنعة لنوافذ الألومنيوم، إلى جانب رسوم وصلت إلى 82% على بعض واردات الصلب المستخدم في البناء والصناعة.
ويرى تيم بايبر، ممثل مجموعة الصناعة الأسترالية، أن حماية التصنيع المحلي تتطلب دعماً حكومياً أكبر، محذراً من أن الاعتماد المفرط على المنتجات المستوردة قد يؤدي إلى فقدان الخبرات والقدرات الصناعية التي يصعب تعويضها مستقبلاً.
وتعكس استطلاعات الرأي اتجاهاً شعبياً واضحاً نحو دعم الإنتاج الوطني، إذ أظهر استطلاع أجراه مركز Growth Intelligence Centre أن 78% من المشاركين يؤيدون تحقيق الاكتفاء الذاتي في الزراعة، بينما يرى 77% ضرورة تعزيز الاستقلال في مجالي الطاقة والوقود.
كما أبدى نحو ثلثي المشاركين استعدادهم لشراء المنتجات الأسترالية بانتظام، فيما أكد 57% استعدادهم لدفع أسعار أعلى مقابل الحصول على سلع مصنوعة محلياً.
وفي قطاع الأدوية، استثمرت شركة Vitex نحو 250 مليون دولار في إنشاء مصنع جديد بغرب سيدني. وأكد رئيسها أنيس شامي أهمية ضمان قدرة أستراليا على إنتاج أدويتها محلياً، خاصة بعد أن كشفت الأزمات العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد عن مخاطر الاعتماد على الخارج.
أما في المجال الزراعي، فتعمل شركة Field Sense Robotics في ملبورن على تطوير روبوتات ذكية تستطيع رش الأعشاب الضارة والأسمدة بدقة، باستخدام كاميرات تحدد المناطق المستهدفة، مما يساعد المزارعين على خفض استهلاك المواد الكيميائية وتكاليف التشغيل.
وتشهد الصناعات الدفاعية الأسترالية بدورها تطوراً ملحوظاً، من خلال تصنيع الطائرات المسيّرة مثل Ghost Bat، والغواصات غير المأهولة Ghost Shark، إلى جانب إنتاج معدات عسكرية محلية وتصدير طائرات مسيّرة إلى أوكرانيا.
وتدعم الحكومة هذه التوجهات من خلال صندوق إعادة الإعمار الوطني البالغ 15 مليار دولار، الذي يستهدف الاستثمار في الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الطبية والدفاعية والروبوتات والابتكار الزراعي.
ويبرز غرب سيدني باعتباره أحد أهم المراكز المرشحة لقيادة النهضة الصناعية المقبلة، بفضل خبراته التاريخية وتوافر العمالة الماهرة والشركات الصناعية.
ويرى خبراء الصناعة أن أستراليا تمتلك المقومات اللازمة لاستعادة مكانتها التصنيعية، لكن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات طويلة الأجل وسياسات تحمي المنتج المحلي وتشجع الابتكار.
وبين حماية المصانع القائمة وتطوير صناعات المستقبل، تبدو أمام أستراليا فرصة مهمة لبناء اقتصاد أكثر استقلالاً وقدرة على مواجهة الأزمات العالمية.
