قبل سنوات قليلة فقط، لم تكن العلاقات الدفاعية بين أستراليا والهند تحظى بالكثير من الاهتمام أو التنسيق. أما اليوم، فقد تحولت العلاقة بين البلدين إلى شراكة استراتيجية متنامية تشمل مجالات متعددة، من الأمن البحري إلى الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا السيبرانية، وسط قلق متزايد من توسع النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الحكومة الأسترالية باتت ترى في الهند شريكاً أمنياً أساسياً، خاصة بعد صدور استراتيجية الدفاع الوطنية الأسترالية لعام 2026، التي صنّفت شمال شرق المحيط الهندي ضمن أهم مناطق الاهتمام العسكري لأستراليا. كما وصفت الهند بأنها “الشريك الدفاعي الأهم” في تلك المنطقة الحيوية.
ويأتي هذا التقارب نتيجة تصاعد النشاط العسكري الصيني، حيث أصبحت الغواصات والسفن البحثية الصينية تتحرك بشكل متكرر في المحيط الهندي، بينما توسّع بكين حضورها الاستراتيجي بعيداً عن مضيق ملقا. وتدرك كانبيرا أن طرق تجارتها البحرية تمر عبر هذه المياه، ما يجعل التعاون مع الهند ضرورة أمنية أكثر من كونه خياراً سياسياً.
خلال العام الماضي، عزز البلدان تعاونهما الدفاعي عبر اتفاقات جديدة شملت تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الأمنية، والتعاون في عمليات الإنقاذ البحري للغواصات. كما عرضت الهند على البحرية الأسترالية الاستفادة من أحواض السفن الهندية لإجراء أعمال الصيانة والإصلاح للسفن المنتشرة في المحيط الهندي.
وفي المجال البحري، بدأت طائرات المراقبة التابعة للبلدين تنفيذ تدريبات متقدمة لمكافحة الغواصات، إضافة إلى بحث اتفاقيات للتزود بالوقود جواً، ضمن خطة أوسع لتعزيز الأمن البحري في المنطقة.
أما الأمن السيبراني، فيُعد من الملفات الواعدة بين الجانبين. فالهند تُعتبر من أكثر دول العالم تعرضاً للهجمات الإلكترونية، بينما تستقبل أستراليا بلاغاً إلكترونياً جديداً كل بضع دقائق وفق بيانات رسمية. ويعتقد خبراء أن هناك فرصة كبيرة للتعاون في حماية البنية التحتية الحساسة وتبادل الخبرات التقنية والتنسيق في أمن الكابلات البحرية.
ورغم هذا التقارب، تبقى الصناعات الدفاعية المجال الأكثر تعقيداً. فالهند تسعى من خلال سياسة “اصنع في الهند” إلى نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي، وهو نموذج يختلف عن طبيعة الشركات الأسترالية المعتادة على تصدير المنتجات الجاهزة. لذلك، تحتاج الشراكة إلى دعم حكومي مباشر لتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول السوق الهندية.
في المقابل، تواجه أستراليا تحديات سياسية تتعلق بعلاقات الهند المستمرة مع روسيا وإيران، ما قد يثير تحفظات لدى بعض الحلفاء الغربيين. لكن دولاً أوروبية مثل فرنسا وألمانيا لم تنتظر كثيراً، بل سارعت إلى توقيع صفقات ضخمة مع نيودلهي، شملت مقاتلات وغواصات ومشاريع تصنيع مشترك بمليارات الدولارات.
فرنسا أصبحت ثاني أكبر مورّد سلاح للهند بعد روسيا، بينما تعمل ألمانيا على توسيع تعاونها الدفاعي مع نيودلهي ضمن استراتيجية جديدة تركز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى مراقبون أن أستراليا تمتلك فرصاً حقيقية في مجالات الأمن البحري والتكنولوجيا الدفاعية، لكن الوقت قد لا يكون في صالحها. فالهند تتحول بسرعة إلى مركز صناعي وعسكري ضخم، والدول التي تتحرك مبكراً قد تحجز لنفسها مكاناً دائماً داخل هذا السوق الاستراتيجي.
في النهاية، يبدو أن مستقبل الشراكة الدفاعية بين أستراليا والهند لم يعد موضع شك، بل إن السؤال الحقيقي أصبح: هل تتحرك كانبيرا بالسرعة الكافية قبل أن تسبقها الدول الأخرى؟
