خريطة إسرائيلية تقضم الجنوب وتُشعل أزمة مع بيروت

أثارت خريطة نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية على حسابها الرسمي في منصة “إكس” بلبلة سياسية في لبنان، بعدما ظهر فيها جزء من جنوب لبنان وكأنه خارج الحدود اللبنانية وداخل المساحة المرسومة لإسرائيل، ما دفع الرئاسة اللبنانية إلى التحرك دبلوماسيًا، فيما بدأ لبنان إعادة تقييم موقفه من الجولة المقبلة من المفاوضات مع إسرائيل في روما.
وأفضت الجهود اللبنانية إلى إزالة الخريطة.
جاءت هذه الخريطة ضمن رسم بياني يتناول نسب سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون الخامسة في دول الشرق الأوسط. إلا أن طريقة رسم الحدود، وخصوصًا عند جنوب لبنان، هي التي فجّرت الجدل، بعدما ظهر القسم الجنوبي من الخريطة “مقضومًا”، مع امتداد المساحة الرمادية المستخدمة للدلالة على إسرائيل شمالًا إلى أراضٍ ضمن لبنان.
وحملت الصورة عنوانًا بالإنجليزية يشير إلى “سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون الخامسة في الشرق الأوسط”، وعرضت دول المنطقة بألوان مختلفة إلى جانب نسب مئوية.
ونُشرت المادة عبر حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية، في إطار حملة إسرائيلية تناولت بيانات عن سوء التغذية في غزة ودول المنطقة. ويؤكد أرشيف للمادة أن الصورة المستخدمة من إعداد الخارجية الإسرائيلية، كما يظهر اسم الحساب الرسمي وشعاره في النسخة المتداولة من المنشور.
ويظهر لبنان في الرسم باللون الأخضر، لكن حدوده الجنوبية لا تمتد بالشكل المعتاد في الخرائط الدولية، فيما تظهر المساحة الملوّنة بالرمادي للدلالة على إسرائيل ممتدة إلى الشمال، وهو ما فسّره لبنانيون على أنه إدراج للأراضي التي تحتلها إسرائيل حاليًا في الجنوب ضمن خريطتها.
الجدل لم يأتِ من فراغ، إذ يأتي نشر الخريطة بعد أيام فقط من تحقيق واسع لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية كشف أن الجيش الإسرائيلي يرسخ وجوده داخل جنوب لبنان.
وذكرت الصحيفة أن إسرائيل سيطرت خلال الحرب على نحو 600 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، تصل في بعض المناطق إلى عمق نحو 12 كيلومترًا، وأن الجيش أنشأ قواعد جديدة وشق عشرات الكيلومترات من الطرق العسكرية داخل المنطقة.
ولهذا نُظر إلى الخريطة في بيروت باعتبارها أكثر حساسية من مجرد رسم غير دقيق، في وقت لا تزال فيه مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية إحدى العقد الأساسية في المفاوضات الجارية بوساطة أميركية.
ومع اتساع الجدل، نُقل عن مصدر رسمي لبناني قوله إن نشر إسرائيل خريطة تظهر ضم أراضٍ من جنوب لبنان يشكل “انتهاكًا مرفوضًا”.
وأضاف المصدر أن الرئيس جوزاف عون أعطى توجيهاته للتحرك على مستويين، الأميركي والأممي، إزاء القضية، في إشارة إلى إجراء اتصالات مع واشنطن والجهات المعنية في الأمم المتحدة لطرح الاعتراض اللبناني على الخريطة. وأكد المصدر أن إمكانية ضم إسرائيل أراضي من جنوب لبنان أُضيفت إلى جدول أعمال مفاوضات روما.
وقال مصدر دبلوماسي لبناني: “جهودنا أفضت لحذف إسرائيل خريطة ضمت أراضي لبنانية لحدودها”، وذلك بعد التواصل مع واشنطن.
وجاءت هذه القضية في توقيت حساس، إذ قال المصدر الرسمي إن لبنان يدرس بتأنٍ خطواته تجاه الجولة المقبلة من مفاوضات روما، وإنه يتريث في إعطاء جواب نهائي بشأن مشاركته فيها إلى حين اتضاح نتائج الاتصالات الجارية. ولا يعني ذلك حتى الآن أن لبنان قرر الانسحاب من المفاوضات أو مقاطعة الجولة المقبلة، بل إن المشاركة باتت موضع مراجعة في ضوء التطورات الأخيرة والمواقف التي ستتلقاها بيروت من الوسطاء.
وكانت المفاوضات الأخيرة في روما قد انتهت من دون حسم عدد من المسائل السياسية الأساسية، رغم إحراز تقدم في ملفات تقنية مرتبطة بالخرائط وآليات التحقق ومستقبل “المناطق التجريبية”.
وأكد المصدر الرسمي أن لبنان لن يتراجع عن ثلاثة مطالب رئيسية في المفاوضات: وقف النار، توسيع نطاق “المناطق التجريبية”، ووقف عمليات الهدم الإسرائيلية في جنوب لبنان. بينما تريد إسرائيل التحقق أولًا من خلو المناطق التي أُنجز العمل فيها من البنى العسكرية لحزب الله قبل الانتقال إلى مناطق جديدة. أما ملف الهدم، فتحول في الأسابيع الماضية إلى نقطة خلاف متزايدة، في ظل استمرار الجيش الإسرائيلي في تجريف مبانٍ وطرق وقرى داخل المنطقة الواقعة تحت سيطرته.
من جهته، رأى “حزب الله” أن نشر الخريطة “لا يقبل الشك لحقيقة أطماع العدو الإسرائيلي في لبنان وأرضه وثرواته ومقدراته والتي لم ولن يتخلى عنها، وأن دخوله في المفاوضات المباشرة مع السلطة اللبنانية ليس سوى محاولة مكشوفة لكسب الوقت وفرض وقائع جديدة على الأرض”.
وحمّل الحزب السلطة في لبنان “المسؤولية الكاملة بفعل إصرارها على السير في مسار التنازلات وتقديمها الهدايا المجانية للعدو”، مطالبًا “بإجراء مراجعة شاملة لتصحيح مسارها ووقف تفاوضها المباشر والمذل مع العدو والمفتقر لأي أوراق قوة، والتحرك الفوري على المستويات كافة، من الحكومة إلى مجلس الدفاع الأعلى، إذ يفترض أن تعقد جلسة طارئة لاتخاذ الخطوات اللازمة لمواجهة هذا الموضوع الخطير، وفي مقدمها رفع شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي”.