كيف ينظر الأستراليون إلى المستقبل النووي؟

لم تعد النقاشات حول التسلح والطاقة النووية في أستراليا مجرد أحاديث هامشية أو مخاوف عابرة، بل أصبحت تعكس تحولاً ملموساً في الوعي العام والتوجهات الاستراتيجية للمواطنين. في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يبدو أن الشارع الأسترالي يعيد ترتيب أولوياته الأمنية والدفاعية، وهو ما يظهر بوضوح في استطلاعات الرأي الأخيرة.

وفقاً للبيانات الصادرة عن معهد “لوي” (Lowy Institute)، هناك قبول شعبي واسع النطاق لخطط الحكومة المتعلقة بتحديث الأسطول البحري؛ حيث أبدى نحو ثلثي الأستراليين (ما يعادل 68%) تأييدهم الكامل لحصول البلاد على غواصات تعمل بالطاقة النووية، شريطة أن تكون مجهزة بأسلحة تقليدية وليست نووية. هذا الدعم الكبير يعكس رغبة واضحة في تعزيز القدرات الدفاعية والردعية لأستراليا دون الانزلاق الكامل في دوامة التسلح النووي.

ومع ذلك، فإن التحول الأكثر إثارة للاهتمام يكمن في النظرة إلى “الأسلحة النووية” ذاتها. فرغم أن أغلبية الأستراليين لا تزال ترفض فكرة امتلاك قنبلة نووية في المستقبل، إلا أن جدار الرفض الصلب بدأ يتآكل تدريجياً. تشير الأرقام إلى أن 39% من المستطلعين يؤيدون الآن فكرة حيازة أستراليا لأسلحة نووية مستقبلاً، مسجلين ارتفاعاً بمقدار ثلاث نقاط مئوية مقارنة بالاستطلاع الذي أُجري في عام 2022.

في المقابل، تراجعت نسبة المعارضين لامتلاك هذا النوع من السلاح الفتاك إلى 58%، بانخفاض قدره خمس نقاط كاملة عن النسبة السابقة. هذا التراجع لا يعني بالضرورة رغبة عارمة في التسلح، بقدر ما يشير إلى “ليونة” غير مسبوقة وتراجع في حدة الموقف الشعبي الرافض للتكنولوجيا النووية العسكرية.

إن هذا التغير الطفيف، والمستمر، في أرقام الاستطلاعات يبعث برسالة قوية لمخططي السياسات في كانبرا؛ فالأستراليون اليوم، وتحت وطأة التوترات الإقليمية المتزايدة وشعورهم بضرورة الاعتماد على الذات في حماية أمنهم القومي، أصبحوا أكثر انفتاحاً على مناقشة خيارات كانت تُعتبر في الماضي القريب من المحرمات السياسية والشعبية.