بينما يحتفل العالم بنجاح مهمة Artemis II، يقف علماء أستراليون أمام تساؤلات مقلقة حول مستقبل بلادهم في مجال الفضاء. فبدلاً من التطلع إلى الأمام بثقة، يجد البعض نفسه يفكر في ما إذا كان عليه الاستمرار في التعاون الدولي أم البحث عن بدائل.
قرار الحكومة الأسترالية بعدم تجديد شراكتها الاستراتيجية مع European Southern Observatory، والتي استمرت لعقد كامل، أثار قلقاً واسعاً داخل الأوساط العلمية. هذه الشراكة كانت تتيح للباحثين الأستراليين الوصول إلى بعض أقوى التلسكوبات في العالم، إضافة إلى فرص المشاركة في تطوير معدات متقدمة.
اليوم، ومع اقتراب انتهاء الاتفاق، يواجه العلماء احتمال فقدان هذا الوصول، دون وجود بديل محلي قادر على تعويضه. فالتلسكوبات الأوروبية الضخمة الموجودة في تشيلي، مثل Very Large Telescope وExtremely Large Telescope، تمنح الباحثين قدرة فريدة على استكشاف أعماق الكون، وهي إمكانيات يصعب تكرارها داخل أستراليا.
هذا التحول لا يهدد البحث العلمي فقط، بل يمتد إلى قطاع الهندسة والتكنولوجيا أيضاً. فالشراكة كانت تفتح الباب أمام شركات ومهندسين أستراليين للمشاركة في تطوير معدات فضائية متقدمة. ومع توقف هذه الفرص، يخشى الخبراء من هجرة العقول، خاصة من الشباب الذين قد يجدون مستقبلاً أفضل في أوروبا.
الأمر لا يتوقف عند حدود الفضاء. فالكثير من الابتكارات التي نستخدمها اليوم خرجت من رحم أبحاث فلكية. على سبيل المثال، تقنية Wi-Fi تعود جذورها إلى أبحاث أسترالية في علم الفلك الراديوي. واليوم، تسهم هذه الأبحاث في تطوير أنظمة اتصالات متقدمة بين الأرض والأقمار الصناعية، بل وحتى في تقنيات تعتمد على الليزر لنقل البيانات بكفاءة أعلى.
في هذا السياق، لعبت أستراليا دوراً مهماً في دعم مهمة Artemis II من خلال محطة بصرية متطورة في جبل ستروملو، تعتمد على الليزر بدلاً من موجات الراديو، ما يسمح بنقل كميات هائلة من البيانات بسرعة أكبر وتكلفة أقل. هذه الإنجازات توضح كيف يمكن للعلم الأساسي أن يتحول إلى تطبيقات تجارية ضخمة.
من ناحية أخرى، يشكل قطاع الفلك بوابة مهمة لتخريج كوادر عالية المهارة. فعدد كبير من خريجي الدكتوراه في هذا المجال ينتقلون للعمل في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والقطاع المالي. وبالتالي، فإن تراجع الاستثمار في هذا المجال قد يؤثر على منظومة الابتكار بأكملها.
ورغم وجود مقترحات للتعاون مع دول أخرى مثل الولايات المتحدة أو اليابان، يرى بعض العلماء أن هذه البدائل لا تقدم نفس القيمة أو الفرص التي كانت توفرها الشراكة الأوروبية. والأسوأ من ذلك، أن القرار جاء دون خطة واضحة لما سيأتي بعده.
الحكومة من جانبها تؤكد أن القرار يأتي ضمن إعادة ترتيب الأولويات لضمان تحقيق أكبر فائدة ممكنة من الاستثمارات البحثية. لكنها تشير أيضاً إلى فرص مستقبلية عبر برامج مثل Horizon Europe، رغم أن بعض العلماء يرون أن التمويل وحده لا يعوض فقدان الوصول إلى البنية التحتية العلمية الضخمة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع أستراليا الحفاظ على مكانتها في عالم الفضاء دون هذه الشراكات؟ أم أن هذا القرار سيكلفها خسارة موقعها في سباق الابتكار العالمي؟
