أستراليا تتحرك لإجبار شركات التكنولوجيا على تحمل مسؤولية المحتوى الضار

بعد اتخاذ خطوات غير مسبوقة لحماية الأطفال من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، تستعد أستراليا لفتح فصل جديد في علاقتها مع شركات التكنولوجيا الكبرى، من خلال تشريع يهدف إلى تحميل هذه الشركات مسؤولية الأضرار التي قد تسببها منصاتها للمستخدمين.

وتقود وزيرة الاتصالات الأسترالية أنيكا ويلز هذه الخطوة عبر مشروع قانون جديد يحمل اسم «واجب الرعاية الرقمية» (Digital Duty of Care)، والذي يسعى إلى تغيير الطريقة التي تتعامل بها المنصات الإلكترونية مع المحتوى الضار، بحيث تصبح مطالبة بمنع المخاطر قبل وقوعها، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة للشكاوى بعد حدوث الضرر.

حماية الأطفال في مقدمة الأولويات

يأتي المشروع استكمالاً لجهود الحكومة الأسترالية في تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بعد إقرار تشريعات تمنع الأطفال دون سن السادسة عشرة من استخدام منصات التواصل المشمولة بالحظر.

وترى ويلز أن مسؤولية حماية الأطفال لا يمكن أن تقع على عاتق الآباء وحدهم، خاصة في ظل التطور المتسارع للخوارزميات التي تتحكم في المحتوى المعروض للمستخدمين.

وأكدت أن الأسر لا تستطيع بمفردها مواجهة الأنظمة الرقمية المعقدة التي تصممها شركات تمتلك موارد تقنية ومالية هائلة، مشيرة إلى ضرورة إلزام تلك الشركات بتوفير بيئة أكثر أماناً.

خلاف سياسي حول حرية التعبير

ورغم الأهداف المعلنة للتشريع، فإنه يواجه اعتراضات من المعارضة الائتلافية، التي تخشى منح وزير الاتصالات صلاحيات واسعة لتحديد ما يمكن اعتباره ضرراً جسيماً على الإنترنت.

ويرى المنتقدون أن هذه الصلاحيات قد تفتح الباب أمام فرض قيود على حرية التعبير، بينما تؤكد الحكومة أن الهدف ليس التحكم في آراء المستخدمين، وإنما تنظيم الطريقة التي تعمل بها المنصات الرقمية وتوصي من خلالها بالمحتوى.

وأبدت ويلز استعدادها للتفاوض مع مختلف القوى السياسية وإجراء تعديلات على المشروع، بشرط الحفاظ على ثلاثة أهداف أساسية: حماية الأطفال، وإزالة المحتوى غير القانوني، ومنح المستخدمين حرية أكبر في اختيار ما يشاهدونه عبر الإنترنت.

التكنولوجيا تتطور أسرع من القوانين

ومن أبرز التحديات التي تواجه المشرعين سرعة ظهور تقنيات جديدة قد تسبب أضراراً لم تكن متوقعة عند صياغة القوانين.

واستشهدت الوزيرة بأدوات الذكاء الاصطناعي التي تسمح بالتلاعب بالصور الشخصية وإنتاج صور عارية مزيفة دون موافقة أصحابها، موضحة أن مثل هذه الممارسات تستدعي استجابة قانونية سريعة، خصوصاً عندما تستهدف القاصرين.

وترى الحكومة أن التشريعات التقليدية قد لا تكون كافية لمواكبة هذه التطورات، وهو ما يجعل وجود آليات مرنة للتعامل مع المخاطر الجديدة أمراً ضرورياً.

هل تتغير قواعد الإنترنت؟

تؤكد ويلز أن شركات التكنولوجيا استفادت لسنوات طويلة من منتجاتها الرقمية دون أن تتحمل بصورة كافية تبعات الأضرار المرتبطة بها، بينما وجدت الأسر والمدارس نفسها في مواجهة نتائج هذه المخاطر.

وتعتقد أن الشركات التي تصمم المنصات والخوارزميات يجب أن تتحمل مسؤولية سلامتها، تماماً كما تتحمل الشركات المصنعة مسؤولية معايير الأمان في منتجاتها.

لكن نجاح المشروع سيعتمد على قدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين حماية المستخدمين والحفاظ على حرية التعبير، مع وضع قواعد واضحة تمنع إساءة استخدام الصلاحيات التنظيمية.

وفي حال إقرار القانون، قد تصبح أستراليا نموذجاً جديداً في تنظيم عمل شركات التكنولوجيا الكبرى، وربما تشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الحكومات في إجبار عمالقة التكنولوجيا على تحمل مسؤولية المخاطر التي تنتج عن منصاتهم، أم أن سرعة الابتكار الرقمي ستظل تتقدم على قدرة القوانين على مواكبته؟