تهديدات وإهانات تطارد سياسيي أستراليا.. والذكاء الاصطناعي يتدخل لحمايتهم

لم تعد المواجهات السياسية في أستراليا تقتصر على النقاشات داخل البرلمان أو التصريحات الإعلامية، بل امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يواجه عدد متزايد من النواب موجات من الإهانات والتهديدات الشخصية، بعضها يتضمن دعوات صريحة إلى العنف.

وأمام تصاعد هذه الظاهرة، لجأ عدد من نواب حزب العمال إلى الذكاء الاصطناعي، في محاولة للحد من المحتوى العدائي الذي يلاحقهم يومياً عبر حساباتهم الإلكترونية.

وكشفت بيانات جُمعت خلال ثلاثة أشهر، بين يوليو وأكتوبر، عن حجم مقلق للمشكلة، بعدما فحص برنامج إلكتروني أكثر من 460 ألف تعليق على حسابات 22 سياسياً من حزب العمال.

وأظهرت النتائج أن نحو نصف التعليقات حملت محتوى مسيئاً، بينها قرابة 190 ألف هجوم شخصي، إضافة إلى 2497 تهديداً و2487 تعليقاً استخدمت عبارات عنيفة.

أداة ذكية لمواجهة موجات الكراهية

يعتمد النواب على برنامج يحمل اسم «Areto»، صُمم للتعرف على التعليقات التي تتضمن إساءات أو تهديدات وإخفائها قبل أن تتحول صفحات السياسيين إلى ساحات للهجوم الشخصي.

وبدأت التجربة بمشاركة عدد محدود من النائبات، قبل توسيع نطاقها لتشمل أعضاء آخرين في البرلمان.

وأوضحت البيانات أن فيسبوك كان المنصة الأكثر استقبالاً للتعليقات، إذ استحوذ على 94% من إجمالي المحتوى الذي جرى تحليله، فيما بلغت نسبة التعليقات المسيئة عليه 51%.

وأكدت وزيرة المالية وشؤون المرأة كاتي غالاغر أن الاعتداءات اللفظية عبر الإنترنت أصبحت تؤثر سلباً في التواصل بين السياسيين والمواطنين، خصوصاً عندما تتحول الانتقادات إلى تهديدات تمس الحياة الشخصية والعائلية.

وشددت على أن الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي ليس منع المعارضة أو إسكات الأصوات المنتقدة، وإنما إبعاد المحتوى الذي يتجاوز حدود النقاش السياسي المقبول.

تهديدات تتجاوز شاشات الهواتف

أعربت وزيرة الإسكان كلير أونيل عن استيائها من تعامل شركات التواصل الاجتماعي مع هذه الظاهرة، معتبرة أنها لا تبذل جهوداً كافية لحماية المستخدمين من العنف اللفظي والتحريض.

وكشفت أنها تلقت رسالة تهديد بعد الاعتداء على النائبة هيلين هاينز، وهو ما أثار مخاوف بشأن انتقال السلوك العدائي من العالم الافتراضي إلى الحياة الواقعية.

ورأت أونيل أن المشكلة أصبحت أوسع من الخلافات الحزبية، لأن العاملين في المستشفيات والمتاجر وغيرها من المهن التي تتطلب التعامل مع الجمهور يواجهون أيضاً مستويات متزايدة من العدوانية.

العنصرية تصل إلى عائلات النواب

ومن بين الحالات التي كشفتها التجربة، تعرضت النائبة كارا كوك لتعليقات عنصرية استهدفت أطفالها الثلاثة من السكان الأصليين.

وقالت كوك إن برنامج الذكاء الاصطناعي ساعدها على التخلص من آلاف التعليقات المسيئة، بعدما أخفى أكثر من 15 ألف تعليق على حساباتها.

وأشارت إلى أن المخاوف المتعلقة بسلامتها بدأت منذ الأيام الأولى لانتخابها، عندما نُشرت صور منزلها وعنوانه على الإنترنت.

وأكدت أن التواصل المباشر مع المواطنين يظل جزءاً أساسياً من مسؤولياتها البرلمانية، لكنها ترفض أن يكون ذلك على حساب أمن أسرتها وخصوصيتها.

موظفون حكوميون تحت ضغط الهجمات الرقمية

وامتدت التحذيرات إلى كبار المسؤولين في الخدمة العامة، بعد تزايد نشر مقاطع مصورة من جلسات الاستماع البرلمانية بطريقة قد تؤدي إلى السخرية من الموظفين واستهدافهم.

وقال ستيفن كينيدي، رئيس دائرة رئيس الوزراء ومجلس الوزراء، إن بعض المقاطع المقتطعة من سياقها ساهمت في إثارة حملات عدائية ضد موظفين حكوميين.

ودعا أعضاء البرلمان إلى التعامل بمسؤولية أكبر مع التعليقات المنشورة على حساباتهم، وعدم السماح بتحويل الاختلافات السياسية إلى حملات ترهيب شخصية.

وتكشف هذه الأزمة عن جانب مقلق من التحول الرقمي في الحياة السياسية الأسترالية، حيث أصبحت حرية التعبير تواجه اختباراً صعباً أمام انتشار خطاب الكراهية.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تقليل حجم الإساءة، فإن معالجة المشكلة بصورة جذرية تظل مرتبطة بمسؤولية شركات التكنولوجيا، واحترام قواعد الحوار العام، وضمان ألا تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة مفتوحة للتهديد والترهيب.