احتفال إصدار وتوقيع كتاب “قضايا الناس” للصحافي نبيل حرب

احتفال إصدار وتوقيع كتاب “قضايا الناس” للصحافي نبيل حرب يتحوّل إلى مهرجان وعرس وطني جامع وحاشد ومظاهرة ثقافيّة وحضاريّة

في احتفال حاشد، تحول إلى عرس وطني جامع وقع الصحافي نبيل حرب كتابه “قضايا الناس” في أنطش الجبيل.
حضر الاحتفال وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، ممثلا بسعادة قائم مقام جبيل السيدة نتالي الخوري، السفير الأسترالي في لبنان توم ويلسون، النائب الأستاذ غياث يزبك، الوزير والنائب السابق الشيخ بطرس حرب، النائب السابق الأستاذ سامر جورج سعادة، الاستاذ ميشال شاهين ممثلا النائب الأستاذ نعمة افرام، الدكتور سليم الخوري ممثلا النائب أديب عبد المسيح. رئيس بلدية تنورين المحامي ياسر نعمة، ممثلة بلدية جبيل السيدة إليز مرهج، ممثل بلدية عمشيت المهندس ظافر سليمان، رؤساء وأعضاء الاتحادات البلدية ورؤساء وأعضاء المجالس البلدية والمخاتير، وشخصيات عسكرية ونقابية وسياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية واغترابية واعلامية ودينية… ضاق بهم المكان.
بدأ الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني إنشادا، ثم كانت كلمة ترحيب للدكتورة اودين سلوم جاء فيها:
حين تلتقي الكلمة بالحقيقة، يولد الوعي؛ وحين يفترقان، تبدأ الفوضى.
وبينهما يبقى القلم الحر حارسًا للضمير، وأمينًا على ذاكرة الأوطان.
نرحب بكم في هذه الأمسية الفكرية المميزة، التي لا نلتئم فيها لمجرد الاحتفاء بإصدار كتابٍ جديد، ولا لنقلب صفحاتٍ حُبِّرت على ورقٍ أو غلافٍ احتضن كلمات، بل لنشهد معاً على انتصار الكلمة الصادقة، وانحيازها إلى الحق، والإنسان، والذاكرة.
إن لقاءنا اليوم هو احتفاءٌ بقيمة الفكر حين يقترن بالمسؤولية، وبالصحافة حين تظل وفيةً لرسالتها، وبالقلم حين يكون ضميراً للمجتمع ولساناً لقضاياه.
في زمنٍ ندُر فيه القلم الحر، وتكاثرت فيه الأخبار المضلِّلة، وتقدَّمت ثقافة التسطيح على حساب الفكر النقدي، حتى غدا الرأي يُقدَّم أحياناً على أنه حقيقة، وارتفع الضجيج فوق صوت الفكر، تزداد قيمة الكلمة المسؤولة، ويعلو مقام أصحاب الأقلام الذين ظلوا أوفياء لشرف الرسالة، مؤمنين بأن الصحافة ليست مجرد مهنةٍ تُمارس، بل رسالةٌ تُؤدَّى، وأن الكلمة الصادقة ليست حروفاً تُكتب، إنما قوةٌ تصنع الوعي، وتصون الذاكرة، وتحمي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى الفكرية والأخلاقية.
في خضم التحول الرقمي المتسارع الذي يكاد يبتلع كل ما هو أصيل، يطل علينا كتاب قضايا الناس ليقول لنا، بثقة الواثق، إن الكلمة الحرة ما زالت قادرة على أن تشق طريقها، وان الحقيقة، مهما حاصرتها الضوضاء، لا تفقد نورها، وان القلم الذي ينحاز إلى الإنسان يبقى أقوى من كل أشكال التضليل.
لعل أجمل ما يوحي به عنوان هذا الكتاب أنه لا يتحدث عن قضايا مجردة أو أفكار معزولة عن واقعها، بل عن الإنسان ، وعن المجتمع ، وعن الوطن. إنه عنوانٌ يختصر فلسفةً كاملة في الكتابة، قوامها أن الصحافة لا تستمد قيمتها من قدرتها على صناعة الخبر، بل من قدرتها على ملامسة هموم الناس، والإضاءة على قضاياهم، وتحويل نبض الشارع إلى وعيٍ عام، وإلى ذاكرةٍ تحفظ للأجيال صورة زمنها.
ما يضفي على هذا الكتاب قيمةً إضافية، ويمنحه بعدًا يتجاوز حدود الإصدار الصحفي، هو توقيت صدوره. فهو يأتي في مرحلةٍ يمر فيها وطننا بتحولاتٍ عميقة، تتشابك فيها الأزمات، وتتزاحم فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى غدا الإنسان يبحث عن منارةٍ تهديه وسط هذا الضباب الكثيف، وعن كلمةٍ صادقة تعيد ترتيب الأولويات، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعلومة والدعاية، وبين الرأي والمعرفة.
في مثل هذه الأزمنة، لا تكون الكتب الجادة ترفًا ثقافيًا، ولا مجرد إضافةٍ إلى رفوف المكتبات، وإنما تصبح ضرورةً فكرية، لأنها تحفظ الذاكرة من النسيان، وتحمي الوعي من التشويه، وتمنح الأجيال فرصةً لفهم حاضرها في ضوء تجاربها، بعيدًا عن صخب اللحظة وتقلباتها.
من هنا، فإن “قضايا الناس” هو مشروعٌ فكري وإنساني يوثق مرحلةً كاملة من تاريخ المجتمع، ويرصد تحولات الإنسان والوطن، ويقدم للقارئ شهادةً صادقة على زمنٍ عاشه الكاتب بقلبه وعقله وقلمه. إنه كتابٌ يقرأ الأحداث، لكنه لا يتوقف عند ظاهرها؛ ينفذ إلى أعماقها، ويبحث في أسبابها، ويستشرف ما يمكن أن تؤول إليه، فيجعل من المقالة الصحفية وثيقةً للفكر، لا خبرًا عابرًا ينتهي بانتهاء يومه.
خصّ المؤلف مساحةً وافية للإضاءة على نخبةٍ من المبدعين اللبنانيين، تقديرًا لعطائهم وإيمانًا بأن الإبداع أحد وجوه الهوية الوطنية. ولم يكتفِ بتوثيق تجارب المبدعين المقيمين في لبنان، بل أفرد جزءًا مميزًا للجالية اللبنانية في أستراليا، تقديرًا لدورها الثقافي والاجتماعي، وحرصًا على إبراز إسهامات أبنائها في الحفاظ على حضور لبنان في بلاد الانتشار.
ولعل افتتاح مكتبٍ تابع لموقع “الحاضر نيوز” في أستراليا، لمواكبة أخبار الجالية اللبنانية ونشاطاتها، يجسد هذا التوجه بأبلغ صورة، ويؤكد أن رسالة الصحافة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الوطن، بل تمتد إلى حيث يوجد الإنسان اللبناني، لتظل الكلمة جسرًا يصل المقيم بالمغترب، ويحفظ وحدة الذاكرة والانتماء.
أيها الحضور الكريم، نكرّم اليوم رحلة إنسان آمن، على امتداد عقودٍ طويلة، بأن الكلمة تستطيع أن تحفظ الذاكرة، وأن تصنع الوعي، وأن تدافع عن الحق، وأن تبقى، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأجيال، لا سيما وان ريع هذا الاحتفال لن يذهب الى شخص، انما الى رسالة، كونه يعود الى موقع “الحاضر نيوز” ليبقى منبراً يحمل قضاياكم وينقلها بامانة الى أعلى المراجع دفاعاً عن الحق وإيماناً بأن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث الفرق.
وإننا إذ نبارك للمؤلف الصحافي نبيل حرب هذا الإنجاز الفكري الجديد، نحيي قلمًا لم يتخلَّ يومًا عن مسؤوليته، ولم يفقد إيمانه بقيمة الكلمة الحرة، ولا برسالة الصحافة النبيلة. مبارك للاستاذ نبيل ولنا جميعاً هذا الاصدار.
كلمة د. كلوديا شمعون ابي نادر
ثم كانت كلمة لرئيسة مجلس الفكر الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر جاء فيها: مساء الخير ، أيها الحفل الكريم
وتبقى الكلمة المحرك الأساسي للتغيير. الاجتماعي، تشيطن القمع والظلم والفساد، وتحرق شمسها ديجور حلكة الخنوع والاستسلام والاستعباد.
هي الكلمة تخلخل أساس الوضع الراهن والمرتهن والمسترهن، فتخلع عنه قناع لا شرعيته.
ومن رحم الكلمة الحرة ، تولد الشعارات المحيية ، مثالاً على ذلك “لبنان أصغر من أن يقسم وأكبر من أن يبلع”.
هي الكلمة تنحث قيامية الهوية، فينتقل الشعب من الفرديات المعزولة والمستفردة، إلى بوتقة واحدة يصعب كسرها.
قال الكاتب: لبنان لن ينجو لبنان لن ينجو إذا بقي كل طرف بشعر أن خسارة الآخر انتصار له، ولى تشفى جراحة إذا استمر بنا في تحويل الألم إلى مادة للانقسام ص (18)
بالكلمة نقضي على الخوف، ونستجمع فتات شجاعة، ولدت من جديد، من وعد فينيق رمادها.
نبيل حرب، أيا صديق مجلس الفكر.
بينما تسابق المقالات الصحفية الزمن، وَحْدَهُ الكتاب الذي يجمعها يُوقف عجلة دورانه، وكتابك “قضايا الناس” أضحى تاريخاً صيرورياً.
نبيل حرب، كلمتك في لبنان الذي تماهى لأزمات، هي فعل مقاومة، وحارسة لذاكرة الوطن، كما للأمل.
أيها الحفل الكريم، في وطننا لبنان، رهينة الحروب ومأسسة الفساد ومستنقع الانهيار الاقتصادي والمالي أضحت الحقيقة ترفا خطيرا وبالرغم من ذلك غدت الحقيقة بقلم نبيل حرب هاجسه اليومي.
أيها الإعلامي الشريف ، كتابك “قضايا الناس”، يحفز على المحاسبة الغائبة والمغيبة، ويصرح بالحقائق التي تزعج أما قلت: “لا يكون الإصلاح بالبطش بالفقراء، بل باستعادة المال المنهوب ، ووقف الهدر والفساد”؟ (ص) (20)
لم تشح بنظرك عن الواقع الأليم، والذي أصبح قنبلة موقوتة: الفقر المدقع، والوضع الاجتماعي المتردي، والنهب المتمادي لخيرات الوطن، والأفق المسدود، والنزف البشري لخيرة شبابنا، والانقسامات الداخلية التي تقطع أوصال الوطن، وتعمي البصر والبصيرة، فيما لبنان مهدد بالزوال.
نبيل حرب، بينما الآخرون ينعمونَ بدِفْء مواربة التسويات، يفضح قلمك القاطع كحد السيف، ويطالب بالمساءلة والمحاسبة، وبعد أن عَرَّيْتَ الدجل، سكنتك الحقيقة، لأنك شجاع ونزية ومسؤول. أما قلت: الشعب اللبناني متروك لقدره، سرقوا أحلامه، سرقوا مستقبله ؟ (ص ٨٢)
“قضايا الناس” مرافعة إتهامية صارمة لصحافي شامخ وبوصلة للمستقبل.
نبيل حرب، شكراً لأنك لم تصمت، ولم تكن شاهد زور. شكراً لأنك أعطيت صوتك لمن لا صوت لهم… تهاني الحارة بمولودك السيد والحر والمستقل.
كلمة د. سهيل مطر
ثم كانت كلمة للدكتور سهيل مطر تحدث فيها بلغة القلب فقال:
أيها الأصدقاء، كأننا ولدنا معًا… أكبره أنا بسنوات، ولكنني أكبره رجل نضال دفاعًا عن قضايا الناس.
معاً ترعرعنا في جردنا العالي العتيق، حيث البراءة والهوشلة وصفاء الحرية.
سُئلتُ مرَّة : هل أنت تسكن في تنورين؟ أجبت: قليلا، ولكني مسكون بها.

أما نبيل فأنهى كتابه بـ: تنورين هي البداية وهي النهاية.
منها انطلق فتى مُتمرّدًا ، يحمل في قلبه وعقله، وشم التاريخ، وشموخ الأرز، وصمود قلعة بزيدا.
عرفته صبيًا وطالبًا، وهو لا يزال، بعيني، ذلك الصبي الذي يجهد ويكد، يُغَامِرُ ، يُقاوم الجهل والفساد والغطرسة.
البندقية في يد أبيه وجده، تحوّلت بين يديه إلى قلم يتصدى للفساد والبشاعة، ويُدافع عن حقوقِ النَّاسِ.
سيف وقلم، وسيان منذ ابتناء المجد في وطن من يحمل السيف أو من يحمل القلما
نعم، مربى الصخور هو ، ولا يقف إلا على صخر، ومباركة تهمة هي بعض من عظمة الجغرافيا، في تسلقها سلالم التاريخ .
وهو، وإن في عمر الستين، لا يزال ذاك الطفل الذي ترعرع على ذلك التراب الندي، حيث النبض الإنساني يتأخى مع الفروسية والكرامة والحرية.
ما حنى جبينا، ولا تذلّل، ولا زلت به قدم، ولا تظلل بفيء أحدٍ. جرأته بنت الإبداع، وقلبه على بريق شفتيه، وصوته ملوّن بأصوات العصافير ومواويل الرعاة.
في كل ما كتب، وفي كل ما خطب، وفي كل قضيَّة، وعلى كل منصة، كان رجل الـ “لا” في زمن الـ “نعم” والذل. وكانت له وقفة العز والكرامة.
يتفجر غضبًا في وجه الظلم والفساد والوصولية، لأنه ما عرف الباطل ولا البطالة، بل مارس البطولة رأيًا حُرًّا وكلمة جادة.
ما فرق بين لبناني وآخر، فحين يتألمُ جُزء من الوطن يتألم الوطن كله.
تراني استرسلت، أيها الأصدقاء، وسيطرت العاطفة، فتغلبت صورة الطفولة في ذلك الجرد العالي على كل الصُّورِ، ولم أعد أرى في نبيل، لا الأديب ولا المُفكّر، ولا الإعلامي بل الصديق والرفيق والتنوري الأصيل.
هؤلاء الزملاء، أترك لهم، وهم الأكفياء، أن يتحدثوا عن الكتاب وصاحب الكتاب، أما أنا فاكتفي بالمحبة وبقبلة على جبينك . وأؤكد، أنّ الكِتابَ، وإن بقلم نبيل، إلا أن مساحة جمال وحُب سكبتها يد السيدة ليليان، وبعض الإيحاءات قرأها في عيني أنطوني وسينتيا.
يبقى أن أقف، أخيرًا، عند الحديث عن الهوية وجواز السفر . منذ أيام جاءتني من ولدي رواد الرسالة التالية:
مع إني عشقت بلادي حتى الجنون
وحتى الخطر …
كتبت اسمها فوق ألفِ جدار
حفرت قلوبا لها بالأظافر فوق ضلوع الشجر
وشمت خريطتها فوق زندي وتحت النظر
اتخذتُ مفاتنها قبلة ومصلى
اعتبرت هواها اختبارًا وحرية وقدر
مع ذلك أقول: أريد جواز سفر.
لا يا ولدي، بطاقة الهوية، ولو دامية، أجمل بكثير من جواز السفر.
ويا ولدي إقرأ ما كتبه عمك نبيل، وستقتنع.
ويا الله، أهل نبيل ما تعبوا في تسميته: أسامينا شو تعبوا… وصية واحدة: خفّف من البلهاء وأكثر من النبهاء. وشكرا.
كلمة الدكتورة سلوى الخليل الأمين
ثم كانت كلمة للدكتورة سلوى الخليل الأمين رئيسة ديوان أهل القلم قالت فيها:
قُرَأْتُ كِتَابَ الصَّدِيقِ نَبِيلِ حَرْبٍ، وَلَا أَدْرِي لِماذا تَأَلَّمْتُ !
رَأَيْتُ الوَطَنَ فِي عَيْنَيْهِ دَمْعَةً حَرَّى، وفي قَلْبِهِ خَفقَة هَوًى تستريحُ فَوْقَ أماليد العُمُرِ، يُحَدِّثُكَ عَنْ خَفَقَانِ صَدْرِهِ المُشتَعِلِ بطوفان مِنَ النَّارِ، وَهُوَ يُعالِجُ قضايا وَطَنِهِ بِيَرَاعِهِ، كَإِعْلَامِي جسور..
قَرَأْتُ مَواسِمَ الحُبِّ تَرْتَسِمُ عَلى مُحَيَّاهُ، فَهُوَ المُحِبُّ لِوَطَنِهِ لبْنانَ، وَلِهَذَا كَرَّسَ حَياتَهُ لِكَشْفِ كُلِّ مَسْتَور وَمَخْفِي، ناطقا بالحقيقة الحُلْمِ المُطَعْمَةِ بِكُلِّ ما هُوَ مُبْدِعٌ، مِنْ أَجْلِ هَذَا الوَطَنِ الجميل، لبنان.
رَصَدَ نَبِيلُ حَرْبٍ، كَصَحَافِي مُتَخَصِص، آلام مُجْتَمَعِهِ، وَهُذِهِ هِيَ رسالة الصحافي الأمين الوَفِي، حَامِلًا فَوْقَ أَكُفَّ الرّيح براعة الكاشف للحقيقة، فَكَانَ صَوْتَ المُصْطَهَدِينَ وَالمَظْلُومِينَ، وَصَدَى صَرَخاتِهِمُ المُوجِعَةِ، مُمْتَطِيًا سَفِينَة النَّجَاةِ، وَهِيَ الصَّحَافَةُ الحُرَّة، لِيَزْرَعَ في الدروب أشْرِعَة الخَيْرِ.
كانَتْ مَسيرَتُهُ، كَإِعْلَامِي ناجح، تراكما لإحداثياتِ المَتْهُ، فَحَوَّلَها إِلى حِكَايَاتٍ تُرْوَى، وَقِصَصِ تُخاطِبُ الضَّمَائِرَ ، وَتَرْوِي العقول بِوَطَنِيَّةٍ صافيةٍ لا تَشوبُها شَائِبَةٌ، سِوَى مَصْلَحَةِ المُواطِنِ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَى حَياتِهِ وَمَسيرَتِهِ الشَّاقَّةِ في وَطَنٍ لَا يَحْتَرِمُ كَثِيرٌ مِنْ مَسْؤولِيهِ إِنْسَانِيَّةَ الإِنْسانِ وَكَرَامَتَهُ لِذلِكَ كَانَتْ كِتابَاتُهُ تَنْسابُ كَالنَّبْضِ الَّذِي يُعْلِنُ الحَيَاةَ.
حَزِنْتُ وَأَنَا أَقْرَأُ مَقالاتِهِ، وَقَدْ طالما تابعْتُهُ، فَالحُزْنُ عَلى وَطَنِ الإِبْدَاعِ يُغَلِّفُ حَياتَنَا مِنْ أَلِفِهَا إلى يائها، وإلى ما لا نهاية. ففي أحضان هذا الوَطَنِ خُلِقْنَا، تتمة المنشور ص 12…
وَتَرعْرَعْنَا، وَتَعَلَّمْنَا أَنَّ الحِفاظ عَلَيْهِ يَكُونُ بِالحِفاظِ عَلَى القِيمِ وَالمَبادِي، وَالابْتِعادِ عَنْ كُلِّ ما يُلْحِقُ بِهِ الضَّرَرَ إِنَّهُ وَطَنُ المُعْجِزاتِ وَالعَباقِرَةِ المُنْتَشِرين في أنحاء العالم، يَحْمِلُونَ نِتَاجَ عُقُولِهِمْ وَإِبْدَاعَاتِهِمْ إِلَى الإنسانِيَّةِ جَمْعاء، فما فَرَّقُوا يَوْمًا بَيْنَ وَطَنِهِمْ وَمُخْتَلِفِ الأوطانِ الَّتِي احْتَضَنَتْهُمْ، بَلِ ائْتَشَرُوا فيها كَسَنَابِلِ القَمْحِ المُمْتَلِئَةِ بِالخَيْرِ ، يَنْتُرُونَ ما يَكْنزونَهُ مِنْ عِلْمٍ وَإِبْدَاعِ عَلَى مَسَاكِبِ الكُرَةِ الأرْضِيَّة.
هذا الوَطَنُ الَّذِي عَشِقْتَهُ يا صديقي نبيل، عَشِقْنَاهُ نَحْنُ أَيْضًا، ومَا زِلْنَا نَرْفَعُ مَشاعِلَ الْمَعْرِفَةِ فَوْقَ أَرْضِهِ العَاشِقَةِ لِدُروبِ الحَياةِ، نَبْنِي تَحْتَ كُلِّ سَمَاءٍ عُرُوسشا مُتَجَلْبِبَةً بِوَهَجِ العَطَاءِ، مَمْلُوءَةً بِالفَخْرِ وَالحُبّ وَالإبداع، نسمو بها إلى السَّماواتِ السَّبْعِ الطَّبَاقِ. عُلَمَاءُ وَمُفَكَّرُونَ قدَّموا لِلْعَالَمِ عَبْقَرِيَّتَهُمْ، وَقَدْ كَتَبْتَ عَنْهُمْ وَعَنْ مُنْجَرَاتِهِمْ فِي كِتَابِكَ.
حَتَّى مَقالاتُكَ كَانَتْ سَنابِلَ زَرْعٍ مُتَوَشِحَةً فَوْقَ التَّلالِ، وَأَنْسامَ هَوَى فِي أَيَّامِ القَيْظِ، وَخَفَقَاتِ حُبّ تَتَمايَلُ في أفياء هذا الوَطَنِ. بَلْ كَانَتْ هِدايَةً لهذا الشَّعْبِ المُلْتَحِفِ بِطَيَّاتِ الغَمَامِ، تُحَدِّثُ الآتِينَ وَالغَادِينَ عَنْ تَعَبِ الأَيَّامِ الَّتِي حَمَلَتْ نَبَضاتٍ قَلْبِكَ، وَرَعَشَاتِ أَنَامِلِكَ، وَحَوْلِيَّاتِ أفكارك، فَجَعَلْتَها صَلاةَ حُبّ وَعِشْقٍ لِوَطَنِكَ لُبْنانَ، وَلِشَعْبِهِ المُتَّكِئِ عَلَى جَاهِلِيَّةِ الطَّوَائِفِ وَالمَذاهِبِ وَالأَيَّامِ العِجافِ، لَعَلَّ الآتِي يَفْتَحُ النُّورَ عَلى مَسارِبِ الدَّهْرِ، فَتَنْبَعِثُ أَناشِيدُ الفَجْرِ الصَّاحِيَةُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَحَيْثُ تَنْبُتُ في ثناياها براعِمُ النُّورِ، فَتَمْنَحُكَ وَتَمْنَحُنَا الأَمَلَ بِفَجْرٍ جديد.
كلمة د. عماد يونس الفغالي
ثم كانت كلمة للدكتور عماد يونس فغالي قال فيها: “قضايا الناس” في ملء إنسانكَ، النبيل!
إنْ نقرأ “قضايا الناس”، يذهبْ فكرُنا إلى وساعةٍ في الكلمتين. قضايا مصطلحٌ شامل غيرُ محدودٍ في المفهوم اليفترضُ القارئ يقصده المؤلّف. قد يروحُ في مسائلَ متشعّبة، المشاكل ربّما أو الحاجات، وقد تكون أمورًا حياتيّة أو مهنيّة، حالاتٍ إنسانيّة مجتمعيّة أو اقتصاديّة… أمّا الناس ففي اختلافهم، أو في انتماءاتهم وإيديولوجيّاتهم، عبر الأوطان والأديان والأحزاب. وقد تكون حالاتهم الماديّة من فقرٍ وبحبوحة. بعض الناس في مقاربتهم القضايا وآخرون في الرزوح تحت نيرها الثقيل.
كلّ هذا موضوع الكتاب البين أيدينا، يطالعنا به المؤلّف نبيل حرب، متّخذًا عنوانًا ولده بدايةً في زاويته الصحافيّة على صفحات جريدةٍ نعرفها “الأنوار” الغرّاء، الشغلت اللبنانيّين اطّلاعًا يوميًّا على الدنيا ومستجدّاتها، خبرًا وتحليلاً ومعالجةً.
آلاف المقالات حبّرها يراعٌ خبرَ الحياة منذ تخصّصه في الصحافة والإعلام مدّة ثماني وأربعين عامًا حافلة ب “قضايا الناس” وهمومهم، تصوّروا معي كم تشكّل فيها الكاتبُ عارفًا، صوتًا مدوّيًا في مسامع أهلِ القرار والقادرين…
في إهدائه الكتاب يتوجّه “إلى كلّ إنسان حمل قضيّة، أو عاش وجعًا، أو صنع أملاً… إلى كلّ إنسان مرّ في هذه الصفحات، وترك في قلبي حكاية، أو دمعة، أو ابتسامة”. ويكمل في المقدّمة: “ما كُتب فيها (الصفحات) لم يكن بالحبر وحده، بل بدموع الناس وآمالهم وأحلامهم وتطلّعاتهم”.
أقسامُ الكتاب ومقالاته، واضحةٌ في الفهرس والمتن. وفي كشفٍ بوحيّ، كلّمتَني مرّتين على تبويب الكتاب وليشيّته، إحداها موثّقةٌ لديّ. لكنْ دعني يا مؤلّفُ أقرأ الأمرَ من زاويتي. لافتٌ في كلّ مقالٍ وجهان: العنوان والأسلوب. في انتظارٍ مسبق، توقّعتُني سأقع على نشرٍ صحافيّ من العيارات الإعلاميّة الصادمة، فإذا بي أحطّ على نصٍّ أدبيٍّ منذ العنوان. فالأخيرُ عنصرٌ مشوّق في حدّ ذاته، يشدّ حينًا في دهشة ويشير أحيانًا إلى دلالاتٍ ورموز.
أمّا المضامين المطروحة، فهي في أنماطٍ أدبيّة متعدّدة، سردٍ ووصفٍ ووجدانيّات، ناهيك عن السيرة الغالبًا غيريّة من غير خلوٍّ من ذاتيّات. وقد يغيب النمط الإيعازيّ (الوعظ والإرشاد) شبه دائمًا إلاّ من إيحاءات، ما يغلّب سيميائيّة الغاية في نفس الكاتب والتأثير في المتلقّي!
في خوضٍ عبر “قضايا الناس”، لافتٌ نصٌّ هو في حدّ ذاته قضيّةٌ عالية. سيرةٌ أبويّة، أبويّةُ صاحب الكتاب، يهدي بين السطور حقيقةَ الأب الحقّة. توّجها من دون تفضيل في ما حكى، باعترافٍ جليل: “كنتُ أخاف عليكما من النسمة”. لأنتَ تخاف عليهما في دائم الأيّام، وتكمل: “وأنا أعيش على يقظة قلبي من أجلكما”.
وفي الكتاب مقالٌ خاصّ لفتني في امتياز، عنونه الكاتب “بيني وبين أستراليا حكاية عشق”. راح فكري فيه إلى الأدب المهجريّ. يختصر المقال جليًّا رحلةَ أدب المهجر اليشكّل في أدبنا قصّةَ الروح. أقتبسُ قولةَ: “وكلّما اشتاقت أرواحنا إليكم، أدركنا أنّ جذوركم في قلوبنا أعمق من أن تُقتلع”. هذا قلبُ الأدب المهجريّ، يحدّد العناصر الكاتبته في ملء. وهذا بالتحديد ما أتاه أديبٌ لبنانيّ في سيدني مجسّدًا ما يمكّننا اعتماد النهضة الاغترابيّة الثانية في أدبه المتعدّد الأنواع، الدكتور جميل الدويهيّ الخصّصه نبيل حرب بمقالٍ في القسم الثالث من كتابه، إلى شخصيّاتٍ لبنانيّة في البلد البعيد اليحبّه، تكلّم عليها بإعجابٍ لإنجازاتها الإنسانيّة خصوصًا.
وكتب في شخصيّاتٍ من لبنان وفيه. اختار نماذجَ أتوا صنيعًا مختلفًا، من عطاءٍ ووفاء، وذاكرة شعرٍ، وخدمة الوطن، ورجال دين ومكرّسين على خطى الإله، انحنوا على أقدام صليب كلّ متألّم. قال في شخصيّاته: “تركتْ بصمةً تستحقّ أن تبقى في الذاكرة”.
وعاد إلى تنّورين، معقله ومَعينه “يا أوّل الحكاية وآخرَها” التي “إذا كان لهذا الكتاب أن ينتهي عند صفحةٍ أخيرة، فإنّ محبّتي لها لن تعرف الصفحة الأخيرة أبدًا”.
هذا أنتَ نبيل حرب، تختم بتعلّم. من الأعوام القاربت الخمسين في امتشاق القلم. الصدق في نفسكَ، لم تُبقِه قيمةً تتغنّى بها. صار موقعًا إعلاميًّا اسمُه “الحاضر نيوز”، يجسّد فعلاً إيمانيًّا بحقيقةٍ تشكّلَتكَ، هي الصحافة الطهور، منذ لبنان حتى أستراليا الفيها المكتب التمثيليّ الأوّل للموقع الحاضر يخدمُ الكلمة حرّةً كهي!
“تعلّمتُ، تقول، أنّ الصدق قد لا يقود إلى أعلى المناصب، لكنّه يقود إلى أعلى مراتب الطمأنينة والسلام مع الذات”. في قراءةٍ معاكسة، تؤكّد حال الناس، بعضِهم، الباحثين عن الأمجاد تلك الواهية، تخدمهم المواربة، ويصنع التملّق وصولاتِهم. لكنّ المصالحة مع نفسكَ رفعتكَ إلى مصاف الفكر والحياة اليطالان الإنسان الملء، اليشبه الله! هذا بخياركَ ألاّ تكون إلاّ بين الناس وأن تكتب “قضايا الناس” عنهم ومنهم ولهم، جعل قرّاءكَ “الرفاق الحقيقيّين في رحلة عمر” وأنّ الكتابةَ ليست مهنة “هي رسالة”. وبعدُ، الرسالةُ الأتيتَها بيراعكَ، ترفعكَ يا حبيبُ إلى كاتبٍ برتبة إنسان.
كلمة المؤلف الصحافي نبيل حرب
في الختام كانت كلمة المؤلف الاستاذ نبيل حرب وقال فيها سأروي حكايتي مع “قضايا الناس” للمرة الأولى:
لكل إنسان حكاية، أما حكايتي مع “قضايا الناس”، فقد بدأت بحلم صغير، وتحولت إلى رحلة امتدت ما يقارب نصف قرن.
في عام 1978، نجحت في امتحانات البكالوريا الرسمية من الدورة الأولى، ووجدت نفسي أمام السؤال الذي يواجه معظم الشباب اللبناني حتى اليوم: أي طريق سأختار لمستقبلي؟
كانت الأسئلة كثيرة، لكن الجواب في داخلي كان واضحًا منذ البداية: أريد أن أكون صحافيًا.
ربما ساعدني على اتخاذ هذا القرار أنني كنت من المتفوقين في اللغة العربية… كان أستاذي يقرأ مواضيعي الإنشائية أمام التلامذة بعد تصحيحها، فكنت أشعر أن للكلمة سحرًا خاصًا، وأن للكتابة رسالة تتجاوز الحبر والورق. وكم من مرة قرأت كتابًا كاملًا في جلسة واحدة، لأنني كنت مؤمنًا بأن القراءة هي الطريق الأول إلى المعرفة.
وذات مساء، جلست مع والدي، رحمه الله، وأخبرته برغبتي في دراسة الإعلام والصحافة. نظر إلي بحنان الأب وخوفه، وقال: “يا بني، الدنيا حرب، والصحافة مليئة بالمخاطر. انظر إلى الصحافيين كيف يواجهون الموت كل يوم. فكر باختصاص آخر.”
لكن حلمي كان أكبر من الخوف، خصوصًا أنني كنت من أوائل أبناء بلدتي تنورين الذين اختاروا دراسة الصحافة.
وبعد نقاش طويل، قال لي: “لدي صديق سنستشيره. إذا نصحك بأن تصبح صحافيًا فلن أجادلك، أما إذا نصحك بعكس ذلك، فعليك أن تعيد النظر في اختيارك.”
وافقت من دون أن أعرف من يكون هذا الصديق.
وفي مساء أحد أيام السبت، دعاني والدي لمرافقته إلى فندق الشانغريلا في اللقلوق. وخلال الطريق، ظل سؤال واحد يراودني: من هو هذا الرجل الذي سنقصده، ويحظى بكل هذا الاحترام في نظر والدي؟
وبعد دقائق، رأيت رجلًا مهيبًا يتقدم نحونا… كان شعره الأبيض يضفي عليه وقارًا خاصًا، وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه.
رحب بنا، ثم التفت إلى والدي قائلًا: “إن شاء الله خير يا طانيوس… ماذا تريد؟»
فأجابه والدي: “أتيتك بأغلى ما لدي… أريد أن نستأنس برأيك في مستقبل ابني.”
جلسنا، ثم التفت الرجل إلي وسألني: “ماذا تريد أن تدرس؟”
أجبته من دون تردد: “أريد أن أكون صحافيًا.”
ابتسم وسألني: “ولماذا اخترت الصحافة؟”
قلت: “لأنني أحب اللغة العربية، وأريد أن أكون جنديًا في السلطة الرابعة. أريد أن أدافع عن المظلومين والمقهورين، وأن أكتب ما يشعر به الناس، وما لا يجرؤون أحيانًا على قوله… بل حتى على التفكير فيه.”
ابتسم، وربت على كتفي بهدوء، ثم التفت إلى والدي وقال الجملة التي غيرت مجرى حياتي:
“دعه يفعل ما يريد.”
لم أكن أعلم يومها أن هذه الكلمات القليلة سترسم مستقبلي، وأنها سترافقني طوال حياتي.
ذلك الرجل كان الرئيس كميل نمر شمعون.
ومن هناك بدأت الرحلة… التحقت بكلية الإعلام والتوثيق في الفنار، ونجحت في امتحان الدخول بتفوق. لكن الجامعة لم تكن سوى البداية.ففي الأيام الأولى من الدراسة، سمعت أن جريدة “الأنوار” تبحث عن مراسل حربي. قصدت الجريدة، والتقيت مدير التحرير، وبعد حوار قصير قال لي: “مبروك… تبدأ العمل من الغد.”
وهكذا بدأت رحلتي مع الصحافة في خريف عام 1978، وربما كنت من أصغر الصحافيين عمرًا، ولم أكن قد أكملت الثامنة عشرة من عمري.
بدأت عملي مراسلًا حربيًا، وكانت مهمتي تغطية الأحداث على خطوط التماس، حيث كان الخطر جزءًا من يومياتنا، والموت احتمالًا يرافقنا في كل لحظة… كنا نركض نحو القذائف، فيما كان الآخرون يهربون منها. ندخل الملاجئ لنستمع إلى وجع الناس، ونعبر الطرقات تحت القصف لننقل الحقيقة كما هي، ونبحث عن المعلومة حيث يصعب الوصول إليها، لأننا كنا نؤمن أن الخبر ليس مجرد كلمات، بل أمانة، ومسؤولية، ورسالة.
في تلك الأيام، لم تكن هناك شاشات إخبارية على مدار الساعة، ولا وسائل تواصل اجتماعي، ولا هواتف عادية، ولا حتى ذكية، تنقل الحدث في لحظته. كانت الصحيفة هي نافذة الناس الوحيدة إلى الحقيقة، وكان الصحافي عين المواطن وأذنه.
خلال سنوات الحرب، غطيت مؤتمرات وأحداثًا كبرى في لبنان والخارج، من مؤتمر التضامن مع لبنان، إلى الاتفاق الثلاثي، واتفاق السابع عشر من أيار، مرورًا بملفات الأسرى، والحروب الدولية، والمخيمات، والمعارك التي غيّرت وجه الوطن.
دخلت مع زملائي أماكن ظننا أننا لن نخرج منها أحياء، ونجونا مرات كثيرة بأعجوبة، فيما ودعنا زملاء وأصدقاء كانوا معنا بالأمس، فإذا بهم في اليوم التالي شهداء الكلمة والحقيقة.
وعشت مواقف لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة. منها ذلك اليوم الذي كنت أجري فيه تحقيقًا صحافيًا مع خبير المتفجرات المعاون يوسف البيطار، بينما كان يعمل على تفكيك قنابل عنقودية في سوق الغرب. وفي لحظة خاطفة، انفجرت القنابل في يده، وكاد مستودع كامل للأسلحة أن ينفجر بنا.
حملت يوسف إلى المستشفى، وأنا بين الذهول والأمل، وعدت مساء إلى جريدتي لأكتب في صدر الصفحة الأولى: “من أنقذ آلاف الناس… عجز أخيرًا عن إنقاذ نفسه”.
كما عشت أيضًا واحدة من أصعب اللحظات، عندما تعرضت دار الصياد لقصف مباشر بالدبابات، وحوصرت وحدي مع مصور ومخرج، بينما كنا داخل المبنى القديم الذي لم يكن فيه ملجأ يحمينا، وكنا نحتمي بالورق. كانت القذائف تتساقط حولنا، والزجاج يتناثر، والموت يقترب في كل ثانية، لكن الإصرار كان أكبر من الخوف. وبين قذيفة وأخرى، خرجنا لنصور المبنى من الخارج، وعدنا لنكمل عملنا، لأن قرار الإدارة كان واضحًا: “يجب أن تصدر “الأنوار” مهما كان الثمن”.
وبالفعل، صدرت الجريدة في موعدها، بعدما وضعت عنوانًا عريضًا على ثمانية أعمدة: “القذائف تنهمر على دار الصياد، والأنوار تصدر وكأن قذائف لم تكن”.
كانت تلك الأيام مدرسة قاسية، لكنها علمتني أن الصحافة ليست وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، بل مسؤولية تبدأ عندما يهرب الآخرون من الخطر.
ومع مرور السنوات، تدرجت في المسؤوليات داخل جريدة “الأنوار”، من رئيس للقسم التربوي إلى رئيس قسم التحقيقات، وهناك كان لي شرف تدريب عشرات طلاب الإعلام، الذين أصبح كثير منهم اليوم دكاترة ومن أبرز الصحافيين والإعلاميين في لبنان.
لكن، وعلى الرغم من كل ما عشته في ساحات الحرب، فإن التحول الأكبر في حياتي المهنية لم يولد تحت القصف، بل ولد من مقال ساخر كتبته عن جاكيت جلدية معروضة في إحدى الواجهات، بهرني ثمنها، وقد بلغ أربعة آلاف وثمانمئة دولار.
ذلك المقال، على بساطته، لفت انتباه إدارة الجريدة. فاستدعاني رئيس التحرير، الأستاذ ميشال رعد، بحضور الأستاذ أنور نصار والأستاذ فؤاد دعبول، مديري التحرير، وقالوا لي: “نريدك أن تكتب زاوية يومية”.
بدأنا نناقش الاسم، وتعددت الاقتراحات، إلى أن استقر الرأي على اسم سيصبح لاحقًا جزءًا من حياتي: “قضايا الناس”.
يومها قلت لهم بكل بساطة: “سأجرب”. لكنني لم أكن أعلم أن تلك المحاولة ستستمر سنوات طويلة، وأنها ستتحول إلى أكثر من ستة آلاف مقال. ستة آلاف قصة… ستة آلاف وجع… وستة آلاف حكاية إنسان، كان يبحث فقط عمن يسمع صوته.
منذ ذلك اليوم، لم تعد «قضايا الناس» مجرد زاوية صحافية أكتبها كل صباح، بل أصبحت جزءًا من حياتي، ورسالة حملتها بكل ما أوتيت من إيمان ومسؤولية.
كتبت عن كل إنسان ظلمته الحياة، وعن كل صاحب حق لم يجد من يسمع صوته. وكتبت أيضًا عن الظلم والفساد والاستغلال، وهاجمت كل من تسبب بالحرب والقتل والدمار، لأنني كنت أؤمن أن الصحافة، إذا فقدت شجاعتها، فقدت رسالتها.
لم تكن الطريق سهلة. أصبت بشظايا في أكثر من مرة، وأصيب منزلي وسيارتي، كما تعرضت للترهيب أحيانًا، وللترغيب أحيانًا أخرى، لكنني كنت أؤمن أن القلم الذي يخشى قول الحقيقة لا يستحق أن يحمل.
ولهذا بقيت الحقيقة بوصلتي، وبقي الإنسان قضيتي الأولى. لم أنتم يومًا إلى حزب، أو طائفة، أو مذهب، لأنني كنت أؤمن أن الصحافي الحقيقي يجب أن يكون منحازًا إلى الإنسان وحده، وإلى حقه في أن يسمع صوته، وأن ينال كرامته وعدالته.
وربما لهذا السبب، بقيت “قضايا الناس” قريبة من الناس، لأنها خرجت من وجعهم، وعاشت معهم، ونطقت بما كانوا يريدون قوله.
ومرت السنوات… وتغيرت الصحافة، وتغير العالم، وتبدلت وسائل الإعلام، واختفت صحف عريقة، وظهرت منصات جديدة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير في داخلي: إيماني بأن الكلمة الصادقة لا تموت.
وحين توقفت جريدة “الأنوار” عن الصدور، شعرت أن صفحة كبيرة من حياتي قد طويت، لكن الرسالة لم تتوقف. وبقيت أكتب في أماكن أخرى، إلى أن أسست “الحاضر نيوز”، لأتابع الطريق نفسه، وأحمل الرسالة ذاتها، ولأبقى قريبًا من الناس، أكتب عن آمالهم، وأوجاعهم، وأحلامهم، كما فعلت طوال سنوات عملي.
واليوم، بعد ما يقارب نصف قرن من العمل الصحافي، أقف أمامكم وأنا أستعيد هذه الرحلة الطويلة، بكل ما فيها من تعب، وخوف، وفرح، ودموع، ونجاحات، وإخفاقات… وأدرك أن أجمل ما فيها لم يكن عدد المقالات التي كتبتها، ولا المناصب التي شغلتها، ولا التكريمات التي نلتها، بل ثقة الناس. هي الثروة الحقيقية التي أعتز بها.
أيها الأصدقاء،
إذا كان لي أن أختصر خمسين عامًا من الصحافة بكلمات قليلة، فسأقول: تعلمت أن الخبر قد ينسى، لكن الموقف لا ينسى. وأن المقال قد يطوى، لكن الكلمة الصادقة تبقى. وأن الصحافي لا يقاس بعدد ما يكتب، بل بعدد من استطاع أن يقف إلى جانبهم عندما احتاجوا إليه.
أشكركم جميعًا لأنكم تشاركونني هذه اللحظة التي انتظرتها طويلًا. وأرجو أن تجدوا بين صفحات هذا الكتاب شيئًا من ذاكرتكم، وشيئًا من أحلامكم، وشيئًا من وجع هذا الوطن الجميل الذي يستحق أن نحبه أكثر. وأتمنى، عندما تطوون الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، أن تشعروا أنكم لم تقرأوا سيرة صحافي فحسب، بل قرأتم حكاية وطن، وحكايات أناس بسطاء كانوا يستحقون دائمًا أن يسمع صوتهم. فإن كنت قد نجحت في شيء خلال هذه الرحلة الطويلة، فأرجو أن أكون قد بقيت وفيًا للوعد الذي قطعته على نفسي منذ البداية أن أكون صوت الناس… وسوطهم… شكرًا لكم من القلب.
شكرًا لقدس الأباتي سيمون عبود، الذي استضافنا في هذا المكان الرمزي العظيم، هذا الصرح الذي يحمل تاريخًا من المحبة والانفتاح… شكرًا للدكتورة أودين سلوم، وللدكتورة كلوديا أبي نادر، وللدكتور سهيل مطر، وللدكتورة سلوى الخليل الأمين، وللدكتور عماد فغالي، الذين تحدثوا بحب وصدق عني وعن كتاب “قضايا الناس”.
شكرًا لأصحاب المعالي والسعادة، وللنقباء، ولرؤساء البلديات والمخاتير، ولكل الشخصيات الدينية والثقافية والاجتماعية والاغترابية والإعلامية، ولكل من لبى الدعوة وشاركني هذه اللحظة الخاصة.
لكل شخص منكم، باسمه ومكانته، لكم مني باقة حب واحترام وتقدير.
واسمحوا لي أن أخص بالشكر الأب مجدي علاوي، الذي أجل عمليته الجراحية الطارئة من الأربعاء الماضي إلى يوم الاثنين، ليكون بيننا في هذه المناسبة.
ولا يمكنني أن أنسى قراء ومتابعي “قضايا الناس”، فهم في الحقيقة أحد أبطال هذا الكتاب. فلولا ثقتهم ومواكبتهم، لما بقي هذا الصوت مستمرًا على مدى سنين طويلة.
شكرًا لكل من منح قلمي ثقته، ولكل من رأى في “قضايا الناس” صدى صوته، ووجعه، وأمله.
ولن أنسى أن أشكر عائلتي التي رافقتني في هذه المسيرة، وكانت لي السند والدافع للاستمرار.
شكرًا لكل من رافقني في هذه الرحلة.
وشكرًا لكل إنسان كان قضية من قضايا الناس.
وإن كان لهذا الكتاب أن يبقى، فليس لأنه يحمل اسمي، بل لأنه يحمل وجوهكم، وقصصكم، وأحلامكم، وأوجاعكم.
لقد كنت، طوال ما يقارب نصف قرن، أكتب عن الناس… واليوم أهدي هذا الكتاب إلى الناس، لأنه ليس كتابي وحدي… إنه كتابكم أنتم.
شكرًا لكم من القلب.
وعند القاء كلمته قوطع الإعلامي نبيل حرب بالتصفيق الحاد اكثر من مرة.
تسليم الدروع وتكريم المؤلف
ثم تسلم الصحافي نبيل حرب درعا تكريمية من كبير الصحافيين الاستاذ غسان عازار الذي تحدث بكلمة مقتضبة تفيض بالمحبة والاحترام والتقدير جاء فيها:”شكرا ايها النبيل على هذا اللقاء المُميّز، الذي جمع نخبة المجتمع اللبناني، من حضور ومنتدين، إحتفاء بتوقيع اصداركم الجديد “قضايا الناس”.
أيها الزميل الحبيب الاستاذ نبيل حرب، بكلمات أقول فيك: اذا كان للملوك من كلام ، فانت من ملوك الكلام… وإنّ هذا الجمع الكبير الذي تكبّد مشقّات الطرق على مساحة الوطن لتلبية دعوتكم لدليل على الثقة بكم، ومحبتكم وهو أثمن بكثير من الدروع التي تمنح لكم لأنكم تستحقون”.
كما تسلم درعا آخر من نادي الشرق لحوار الحضارات تقديرا لمسيرته وقد تحدث رئيس النادي الدكتور ايلي السرغاني عن رفقة الجامعة والعمر وعلاقة المحبة والوفاء والاحترام التي تربطه مع المؤلف.
بعد ذلك التقطت الصور للمؤلف والاعضاء الزملاء في نادي الشرق لحوار الحضارات.
وقدم ايضا الأب مجدي علاوي رئيس جمعية “سعادة السماء” إلى الإعلامي نبيل حرب، درعًا من خشب الارز مزيناًً بأجمل الكلمات وانبلها.
وقد حضر الأب علاوي مع وفد كبير من جمعيته “سعادة السماء”، وبارك هذا الاحتفال بوجوده.
اخيرا تم قص قالب الحلوى الكبير الذي حمل صورة الكتاب، واتخذت الصور التذكارية مع الحضور خلال الكوكتيل.
وفي نهاية التظاهرة الثقافية والحضارية، وقع المؤلف كتابه للحضور.