أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من مستقبل الحكومات والاقتصادات، لكن الاعتماد الكامل على شركات أجنبية لتوفير هذه التقنية قد يضع الدول أمام مخاطر غير متوقعة. فقد أظهرت تجربة حديثة، عندما توقف وصول المستخدمين في أستراليا إلى أحد أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطوراً بسبب قرار اتخذته شركة أمريكية استجابة لاعتبارات الأمن القومي في الولايات المتحدة، مدى هشاشة هذا الاعتماد.
هذه الحادثة أعادت فتح النقاش حول ضرورة امتلاك أستراليا لقدراتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة مع التوسع في استخدامه داخل المؤسسات الحكومية والخدمات العامة والقطاعات الحيوية. فكلما ازدادت أهمية هذه التقنيات في إدارة الدولة، أصبح التحكم الخارجي بها مصدر قلق استراتيجي.
ويرى خبراء أن الحل لا يكمن في منافسة الشركات العالمية على تطوير أقوى نموذج ذكاء اصطناعي، بل في بناء نموذج وطني قادر على تلبية احتياجات الحكومة والاقتصاد، ويعمل بالكامل على بنية تحتية أسترالية وتحت القوانين المحلية. فوجود نظام محلي يمنح الدولة القدرة على الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في حال حدوث أزمات أو قيود خارجية.
وتُعد فرنسا مثالاً بارزاً في هذا المجال، حيث دعمت تأسيس شركة محلية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ووفرت لها استثمارات كبيرة، قبل أن تعتمدها المؤسسات الحكومية والدفاعية لتقديم خدماتها داخل البلاد. كما حرصت الحكومة الفرنسية على أن تبقى البيانات الحساسة داخل الحدود الوطنية، وأن تعمل الأنظمة على خوادم خاضعة للسيادة الفرنسية.
وبالنسبة لأستراليا، يقترح مختصون ثلاث خطوات رئيسية لتحقيق هذا الهدف. أولها اعتبار القدرة الحاسوبية بنية تحتية وطنية لا تقل أهمية عن الكهرباء أو شبكات الاتصالات، نظراً لأنها أصبحت الوقود الذي تعتمد عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في إلزام شركات التكنولوجيا العالمية، التي تستثمر مليارات الدولارات في إنشاء مراكز بيانات داخل أستراليا، بتخصيص جزء من قدراتها الحاسوبية للاستخدام الوطني، بحيث لا يمكن سحبها أو تعطيلها بقرار خارجي.
في المقابل، تتمثل الخطوة الثالثة في دعم شركة أسترالية متخصصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، مع حصول الحكومة على حصة استراتيجية تضمن بقاء التكنولوجيا والبيانات داخل البلاد. كما يمكن للحكومة أن تصبح أول وأكبر عميل لهذه الشركة، خاصة في المؤسسات التي تتعامل مع معلومات حساسة مثل الدفاع، والطاقة، والأنظمة المالية.
ورغم أن الحكومة الأسترالية أطلقت في نهاية عام 2025 خطتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، فإن كثيراً من المراقبين يرون أنها ركزت على قضايا السلامة، وأخلاقيات الاستخدام، وتأهيل القوى العاملة، لكنها لم تتناول بشكل كافٍ قضية السيادة الرقمية أو ضمان استمرار الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي في حال تغيرت الظروف السياسية أو التجارية.
ويؤكد الخبراء أن امتلاك نموذج وطني لا يعني الانعزال عن العالم أو التخلي عن التعاون مع الشركات العالمية، بل يهدف إلى توفير شبكة أمان تضمن استمرار الخدمات الحيوية وحماية البيانات الوطنية. وكما تحتفظ الدول باحتياطيات استراتيجية من الوقود والغذاء، قد يصبح من الضروري أيضاً امتلاك احتياطي من القدرات الحاسوبية ونماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، لضمان استقلال القرار الرقمي في المستقبل.
