لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية تختبرها الشركات على نطاق محدود، بل أصبح جزءاً متزايد الأهمية من خطط الاستثمار والتشغيل. ومع توسع استخدامه، يجد المديرون الماليون أنفسهم في قلب القرارات المتعلقة بالتكلفة والعائد والمخاطر، وليس فقط أمام مهمة توفير الميزانيات للمشروعات التقنية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن 84% من المؤسسات حول العالم تعمل على زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، أظهر استطلاع شمل 1326 مسؤولاً مالياً أن 57% منهم أصبحوا ضمن القيادات الأكثر تأثيراً في صياغة استراتيجية مؤسساتهم. وهذا يعكس تحول دور المدير المالي من مراقبة النفقات إلى المشاركة في تحديد كيفية استخدام التكنولوجيا لتحقيق النمو.
أحد أبرز التحديات يتمثل في صعوبة توقع تكاليف الذكاء الاصطناعي. ففي أنظمة تقنية المعلومات التقليدية كانت تكاليف التراخيص والخدمات أكثر وضوحاً، بينما تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بدرجة كبيرة على حجم الاستخدام وقدرات الحوسبة والطاقة والخدمات السحابية. وقد يؤدي ارتفاع الطلب إلى زيادة النفقات حتى مع انخفاض تكلفة تشغيل بعض النماذج.
لذلك تتجه بعض المؤسسات إلى الجمع بين الحوسبة السحابية والبنية التحتية الداخلية والحوسبة الطرفية، بهدف تحقيق توازن بين المرونة والتكلفة وسرعة معالجة البيانات. وهنا يصبح على المدير المالي فهم القيمة التي يقدمها كل جزء من هذه البنية قبل الموافقة على المزيد من الإنفاق.
الأمن السيبراني يمثل تحدياً آخر لا يقل أهمية. فكما يمنح الذكاء الاصطناعي الشركات أدوات أسرع وأكثر تطوراً، فإنه يمكن أن يوفر للمهاجمين أيضاً وسائل جديدة لتنفيذ الهجمات. ولهذا تحتاج المؤسسات إلى تطوير دفاعاتها بالتوازي مع توسع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، مع تعاون أكبر بين المدير المالي ومسؤولي الأمن السيبراني.
أما التحدي الأكبر فهو قياس العائد الحقيقي من الاستثمار. ووفقاً للاستطلاع، قال 17% فقط من قادة القطاع المالي إن استثمارات الذكاء الاصطناعي حققت بالفعل قيمة واضحة يمكن قياسها. وهذا لا يعني بالضرورة فشل التكنولوجيا، لكنه يكشف أن تحقيق النتائج يحتاج إلى وقت وتجربة ونماذج أكثر مرونة للتمويل.
وقد يكون الأسلوب الأقرب للنجاح هو التعامل مع بعض مشروعات الذكاء الاصطناعي بطريقة تشبه البحث والتطوير، عبر تخصيص موارد محددة للتجربة، ثم تقييم النتائج والتوسع في المشروعات التي تثبت فائدتها.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، لن يكون السؤال بالنسبة للشركات هو ما إذا كانت ستستخدمه أم لا، بل كيف ستديره بكفاءة. وهنا قد يلعب المديرون الماليون دوراً حاسماً في تحقيق التوازن بين الابتكار والتكلفة والأمن والعائد على الاستثمار.
