التقنيات القديمة تهدد الأمن القومي.. هل حان وقت تحديث البنية الرقمية؟

لم تعد الأنظمة الرقمية القديمة مجرد مشكلة تقنية تؤثر على أداء المؤسسات، بل أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي في ظل التصاعد المستمر للهجمات الإلكترونية واعتماد الدول المتزايد على البنية التحتية الرقمية. فالكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة تدرك المخاطر التي تفرضها هذه الأنظمة، إلا أن غياب جهة واضحة تتحمل مسؤولية استبدالها يجعلها تستمر في العمل رغم انتهاء الدعم الفني والتحديثات الأمنية الخاصة بها.

وتحذر تقارير حديثة من أن الثغرات الأمنية أصبحت تُستغل خلال أيام قليلة فقط من اكتشافها، بعدما كانت تستغرق أسابيع أو أشهر في السابق. والأسوأ أن نسبة كبيرة من أكثر الثغرات استهدافًا توجد في أجهزة وبرامج لم تعد الشركات المنتجة توفر لها أي تحديثات، ما يجعلها أهدافًا سهلة أمام القراصنة.

ولا تقتصر المشكلة على قطاع واحد، إذ تعتمد قطاعات حيوية مثل الصحة والطاقة والاتصالات والمياه والنقل والخدمات الحكومية على أنظمة مضى على تشغيلها سنوات طويلة دون تطوير. وعند تعرض هذه الأنظمة لهجوم إلكتروني أو عطل كبير، فإن التأثير لا يقتصر على فقدان البيانات، بل قد يمتد إلى تعطيل خدمات أساسية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ويزداد حجم المخاطر مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تساهم في اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها بسرعة غير مسبوقة. فالهجمات الإلكترونية أصبحت أكثر تطورًا وأقل تكلفة، بينما تجد الأنظمة القديمة نفسها عاجزة عن مواكبة هذا التطور أو حماية نفسها من الأساليب الجديدة المستخدمة في الاختراق.

كما أن الانتقال العالمي المرتقب إلى تقنيات التشفير المقاومة للحوسبة الكمية يمثل تحديًا إضافيًا، لأن العديد من هذه الأنظمة القديمة لا يمكن تحديثها تقنيًا لاستيعاب معايير الحماية المستقبلية، وهو ما يزيد من احتمالات تعرضها للاختراق.

ومن الجانب الاقتصادي، تنفق الحكومات والمؤسسات مبالغ ضخمة للحفاظ على تشغيل أنظمة تجاوزها الزمن، في الوقت الذي يقل فيه الاستثمار في تحديث البنية الرقمية وبناء أنظمة أكثر أمانًا ومرونة. وتؤدي هذه السياسة إلى استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة بدلاً من تنفيذ خطط تطوير شاملة.

وتشير تجارب دول عديدة إلى حجم المشكلة. فقد أدى هجوم إلكتروني على ميناء ناغويا الياباني إلى تعطيل أحد أهم الموانئ اللوجستية في البلاد، بينما واجهت الفلبين صعوبات في تشغيل عدد من رادارات الطقس بسبب تأخر عمليات الصيانة والاستبدال. كما كشفت حادثة حريق مركز بيانات في كوريا الجنوبية عن هشاشة بعض الأنظمة الرقمية رغم التقدم التقني الذي تتمتع به الدولة.

أما في أستراليا، فرغم وجود سياسات وإرشادات حكومية متقدمة لإدارة مخاطر الأنظمة القديمة، فإن الواقع يكشف استمرار اعتماد العديد من الجهات على تقنيات لم تعد مدعومة. وتشير تقارير رسمية إلى أن نسبة كبيرة من المؤسسات الفيدرالية تواجه صعوبات في تطبيق معايير الأمن السيبراني بسبب اعتمادها على أنظمة قديمة، كما أظهرت مراجعات حكومية أن عدداً من أنظمة وزارة الدفاع لا يزال يعمل دون اعتماد أمني محدث.

ويرى خبراء الأمن السيبراني أن الحل لا يكمن فقط في إصدار المزيد من اللوائح، بل في وضع خطط واضحة لاستبدال الأنظمة القديمة، وتخصيص ميزانيات للتحديث، وتحميل الجهات المعنية مسؤولية تنفيذ هذه الخطط ضمن جداول زمنية محددة.

وفي النهاية، لم يعد تحديث البنية الرقمية خيارًا لتحسين الأداء فقط، بل أصبح ضرورة لحماية الأمن الوطني وضمان استمرارية الخدمات الحيوية. فكل يوم تستمر فيه الأنظمة القديمة في العمل دون تحديث يزيد من حجم المخاطر، ويجعل الدول أكثر عرضة للهجمات الإلكترونية التي تتطور بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.